بين إشادة بالاستقرار وتحذير من العراقيل.. تقرير دولي يكشف الوجه الآخر لجاذبية الاستثمار في المغرب

حسين العياشي
تقرير_ يرسم أحدث تقرير صادر عن مؤسسة MSCI العالمية، المتخصصة في مؤشرات الأسواق المالية، صورة مزدوجة للاقتصاد المغربي؛ صورة تعكس من جهة بلداً نجح في تثبيت موقعه كواحد من أكثر الاقتصادات استقراراً وجاذبية في شمال إفريقيا، لكنها تكشف، في المقابل، عن اختلالات هيكلية لا تزال تحدّ من قدرته على استقطاب الاستثمارات الأجنبية الكبرى بالوتيرة التي تواكب طموحاته.
ففي الوقت الذي يواصل فيه المغرب تعزيز حضوره داخل سلاسل الإنتاج العالمية، مستفيداً من الطفرة التي يشهدها قطاع صناعة السيارات، وتوسع المشاريع الصناعية، والاستثمارات المتسارعة في الطاقات المتجددة والبنيات التحتية، يرى التقرير أن هذه المكتسبات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإقناع كبار المستثمرين الدوليين بضخ رؤوس أموالهم دون تحفظ.
ويعتبر التقرير أن المملكة باتت تمتلك مقومات اقتصادية تجعلها منصة إقليمية واعدة للصناعة والاستثمار، كما أن الشركات المغربية الكبرى المدرجة في بورصة الدار البيضاء تتمتع بمستويات جيدة من الحكامة، خاصة في قطاعات الأبناك والاتصالات ومواد البناء، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين في البيئة الاقتصادية المغربية.
غير أن الفارق، بحسب التقرير، لا يكمن في القدرة على جذب المستثمر فحسب، وإنما في توفير منظومة مالية وإدارية تضمن له سهولة الدخول إلى السوق، وإدارة استثماراته، والخروج منها بأقل قدر ممكن من التعقيدات.
وفي هذا السياق، يسلط التقرير الضوء على عدد من التحديات التي لا تزال تؤثر في تنافسية السوق المغربية، يأتي في مقدمتها محدودية السيولة داخل بورصة الدار البيضاء. فرغم وجود شركات ذات قيمة سوقية مهمة، فإن ضعف الأسهم المتاحة للتداول يجعل تنفيذ العمليات الاستثمارية الكبرى أمراً معقداً، إذ يمكن لأي عملية بيع أو شراء كبيرة أن تؤثر بشكل مباشر في أسعار الأسهم، وهو ما يدفع العديد من الصناديق الاستثمارية العالمية إلى توخي الحذر.
كما يقف نظام الصرف ضمن أبرز الملاحظات التي سجلها التقرير، إذ لا يزال الدرهم المغربي غير قابل للتحويل الكامل، ويخضع لآليات رقابية مرتبطة بتحويل العملات وخروج رؤوس الأموال وتحويل الأرباح إلى الخارج. ويرى المستثمرون، وفق التقرير، أن طول الإجراءات الإدارية المرتبطة بهذه العمليات يظل من بين أكثر النقاط التي تثير تحفظاتهم.
ولم تغب البيروقراطية عن تشخيص المؤسسة الدولية، إذ اعتبرت أن الإصلاحات التي حملها ميثاق الاستثمار الجديد تمثل خطوة إيجابية، لكنها لم تنهِ بعد الإشكالات المرتبطة بتعدد المساطر، وطول آجال الحصول على التراخيص، وبطء بعض الإجراءات الإدارية، وهي عوامل لا تنسجم مع الإيقاع السريع الذي تتحرك وفقه الاستثمارات الدولية.
ومن بين النقاط التي توقف عندها التقرير أيضاً، محدودية الأدوات المالية المتوفرة في السوق المغربية، إذ ما تزال آليات التحوط الحديثة، مثل المشتقات المالية أو البيع على المكشوف، في مراحل التطوير، الأمر الذي يقلص من الخيارات المتاحة أمام المستثمرين لإدارة المخاطر، مقارنة بالأسواق الناشئة الأكثر تطوراً.
ورغم هذه الملاحظات، لا ينظر التقرير إلى هذه التحديات باعتبارها مؤشرات أزمة، بل يعتبرها سمات طبيعية لاقتصاد يوجد في مرحلة انتقالية، يسعى إلى الارتقاء من تصنيف “السوق الحدودية” إلى مصاف الأسواق الناشئة ذات الجاذبية العالمية.
ويخلص التقرير إلى أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة للمغرب، خاصة في ظل الأوراش الكبرى التي يستعد لإطلاقها أو استكمالها، وفي مقدمتها مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالاستعداد لتنظيم كأس العالم. فنجاح المملكة في موازاة إنجازاتها الصناعية بإصلاحات أعمق في السوق المالية، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز مرونة حركة الرساميل، قد يفتح أمامها الباب لتصبح إحدى أبرز الوجهات الاستثمارية في القارة الإفريقية والمنطقة المتوسطية.





