نعوم لـ«إعلام تيفي»: هزيمة المغرب أمام فرنسا تتجاوز الملعب وتكشف صراع الثقة والسرديات

مديحة المهادنة
خبر_لم يقرأ الدكتور عبد الفتاح نعوم، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش، هزيمة المنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي من زاوية رياضية ، بل وضعها ضمن سياق أوسع تتداخل فيه الأبعاد النفسية والسياسية والإعلامية، معتبرا أن مباريات بهذا الحجم لا تنفصل عن موازين القوة ولا عن الصور المترسخة في الوعي الجماعي.
وفي تصريح لـ«إعلام تيفي»، توقف نعوم عند العامل النفسي الذي قد يرافق منتخبات دول الجنوب حين تواجه قوى غربية كبرى، مشيرا إلى ما سماه بـ«صدمة الحداثة» وما تخلقه أحيانا من شعور غير معلن بالدونية أمام النموذج الغربي. ووفق تحليله، فإن هذا الإرث النفسي لا يظهر فقط في الخطاب العام، بل قد ينعكس أيضاً على مستوى الثقة بالنفس والقدرة على خوض المواجهات الحاسمة بالندية المطلوبة.
ويرى نعوم أن المنتخب المغربي لم يعد يدخل مثل هذه المباريات بصفته مجرد طرف يبحث عن إنجاز رياضي عابر، بل أصبح يمثل بلداً يفرض حضوره تدريجياً داخل دوائر التأثير الدولي. غير أن الانتقال من موقع الطموح إلى موقع الندية، بحسب المتحدث، يحتاج إلى تراكم نفسي وثقافي طويل، حتى تتحرر الأجيال الجديدة من رهبة مواجهة القوى التقليدية، وتتعامل معها باعتبارها منافسا يمكن التفوق عليه لا نموذجا يستحيل تجاوزه.
ومن البعد النفسي انتقل أستاذ العلاقات الدولية إلى السياق السياسي والأمني الذي سبق المواجهة، مستحضرا تقارير صحفية فرنسية تناولت احتمال وقوع اضطرابات داخل فرنسا في حال فوز المنتخب المغربي. واعتبر أن تصوير انتصار رياضي محتمل باعتباره تهديدا أمنيا يكشف حجم الشحن السياسي والاجتماعي الذي يرافق بعض المباريات، خصوصاً حين تجمع منتخبات ترتبط دولها بتاريخ استعماري وملفات هجرة وهوية وعلاقات دبلوماسية معقدة.
وشدد نعوم، في هذا السياق، على أن قراءة هذه المعطيات لا تعني القفز إلى استنتاجات غير مثبتة بشأن وجود ترتيبات داخل الملعب، بقدر ما تفرض الانتباه إلى الضغوط المحيطة بالمواجهات الكبرى. فالرياضة، وفق تحليله، لم تعد فضاءً معزولاً عن السياسة، بل أصبحت جزءاً من القوة الناعمة وأداة للتأثير وصناعة الصورة وإدارة التوترات بين المجتمعات والدول.
ومن هذا المنطلق، اعتبر المتحدث أن كرة القدم تحولت إلى مجال تتحرك داخله الحسابات الجيوسياسية، سواء عبر توظيف الانتصارات في بناء الشرعية والصورة الدولية، أو من خلال التحكم في السرديات الإعلامية المصاحبة للأحداث الرياضية. وأضاف أن العلاقات المغربية الفرنسية نفسها تمر بمرحلة إعادة تموقع، وهو ما يجعل كل مواجهة رمزية بين البلدين قابلة للقراءة ضمن سياق يتجاوز نتيجتها المباشرة.
غير أن نعوم لم يحصر تحليله في تفسير الهزيمة، بل انتقل إلى ما يعتبره الرهان الحقيقي أمام المغرب بعد النجاحات الرياضية المتراكمة. وأكد أن الإنجاز داخل الملعب يظل محدود الأثر ما لم يتحول إلى رصيد مستدام من القوة الناعمة، وما لم يُدعّم بصناعة ثقافية وإعلامية قادرة على إنتاج سردية وطنية متماسكة وتقديم صورة المغرب من منظوره الخاص.
ودعا، في هذا الإطار، إلى تجاوز منطق رد الفعل الذي يجعل الخطاب الوطني رهينا بما تكتبه أو تبثه وسائل إعلام أجنبية، والعمل بدلاً من ذلك على بناء أدوات تأثير قادرة على صياغة المعنى والدفاع عن المصالح الوطنية في الفضاء الدولي. فالدول، وفق تصوره، لا تكتفي بتحقيق الإنجازات، بل تحسن أيضاً روايتها وتثبيتها في الوعي العالمي وتحويلها إلى عنصر من عناصر النفوذ.
ويخلص تحليل نعوم إلى أن الهزيمة أمام فرنسا لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية مسار، بل محطة ضمن تحول أعمق يعيشه المغرب في علاقاته الدولية وفي حضوره الرياضي والرمزي. وهو تحول يتطلب، إلى جانب الأداء الميداني، ثقة جماعية متراكمة، ووعياً سياسياً أكثر نضجاً، وإعلاماً قادراً على الانتقال من استهلاك السرديات الخارجية إلى إنتاج روايته الوطنية الخاصة.





