
بشرى عطوشي
رأي_ قبل أن تتحول واجهات المحلات إلى مرايا تعكس هوية المجتمع، تحولت في كثير من الأحيان إلى منصات تستنسخ كل ما تنتجه دور الأزياء العالمية، دون تمحيص أو مراعاة لخصوصية الذوق المغربي. فلم يعد السؤال اليوم: ماذا يحتاج المستهلك المغربي؟ بل أصبح: ما آخر صيحة يمكن تسويقها وتحقيق أكبر هامش ربح منها، حتى وإن كانت تتعارض مع قيم المجتمع أو تكرس ثقافة التقليد الأعمى.
في الأسواق المغربية، وخاصة مع كل موسم جديد، يلاحظ المتتبع أن عدداً من تجار الملابس الجاهزة يتسابقون إلى استيراد أو تقليد أحدث الصيحات الغربية، بغض النظر عن مدى ملاءمتها للثقافة المغربية أو طبيعة الأسرة المغربية. وأصبح المستهلك، خصوصاً فئة الشباب والمراهقين، أمام خيارات محدودة تفرضها السوق أكثر مما يختارها بإرادته، في مشهد يعكس غياب رؤية تجارية مسؤولة تراعي البعد الثقافي والاجتماعي إلى جانب البعد الربحي.
المفارقة أن الدول الغربية نفسها، التي تُستنسخ منها هذه الصيحات، هي من يصنعها ويطورها وفق بيئاتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بينما يتم في المغرب استيرادها أو تقليدها بصورة ميكانيكية دون أي عملية تكييف مع الهوية المحلية. والأسوأ أن بعض التجار يعتبرون كل صيحة جديدة فرصة تجارية مهما كانت مثيرة للجدل، لأن معيار النجاح لديهم أصبح سرعة البيع وحجم الأرباح، وليس جودة المنتوج أو مدى انسجامه مع قيم المجتمع.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى الانغلاق أو رفض الموضة، فالمغرب ظل عبر تاريخه منفتحاً على مختلف الثقافات، لكنه استطاع دائماً أن يمنحها بصمته الخاصة. فالقفطان المغربي، والجلباب، والتكشيطة، وحتى اللباس العصري المغربي، كلها نماذج تؤكد أن التجديد لا يعني بالضرورة الذوبان في ثقافة الآخر، بل يمكن أن يكون إبداعاً يحافظ على الأصالة ويواكب العصر في آن واحد.
وفي المقابل، يطرح الغياب شبه الكامل للغرف التجارية والهيئات المهنية المختصة أكثر من علامة استفهام. فهذه المؤسسات لا ينبغي أن يقتصر دورها على الدفاع عن مصالح التجار وتنظيم المعارض، بل يفترض أن تشجع أيضاً الصناعة الوطنية والإبداع المغربي، وأن تواكب المهنيين في تطوير منتجات تستجيب للذوق المغربي وتنافس الأسواق الخارجية، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج ما يأتينا من الخارج.
كما أن جمعيات حماية المستهلك مطالبة بتوسيع مفهوم الحماية ليشمل الحماية الثقافية أيضاً، من خلال التوعية بحق المستهلك في الحصول على منتجات متنوعة تحترم خصوصية المجتمع، والدفاع عن حق الأسر في وجود بدائل محلية تجمع بين الجودة والاحتشام والأناقة، بدلاً من ترك السوق رهينة لمنطق الربح السريع.
ويبقى الدور الأسري هو الحصن الأول والأخير. فالأسرة ليست مطالبة فقط بشراء الملابس لأبنائها، بل بغرس الذوق السليم لديهم، وتعليمهم أن الأناقة لا تقاس بمدى تقليد المشاهير أو المؤثرين، وإنما بحسن الاختيار والاعتزاز بالهوية. فالتربية على الاعتدال في الملبس جزء من التربية على الشخصية والثقة بالنفس والانتماء الثقافي.
إن استمرار هذا المسار دون مراجعة قد يؤدي إلى قطيعة تدريجية بين الأجيال الصاعدة وإرثها الحضاري، حيث يصبح اللباس مجرد انعكاس لصيحات عابرة، بدل أن يكون تعبيراً عن شخصية المجتمع المغربي وتاريخه العريق. فالموضة يمكن أن تتغير كل موسم، أما الهوية فإذا ضاعت، فإن استعادتها تصبح أكثر صعوبة.
لذلك، فإن المسؤولية مشتركة بين التاجر الذي ينبغي أن يدرك أن الربح لا يتعارض مع المسؤولية الاجتماعية، والغرف التجارية التي يجب أن ترعى صناعة أزياء مغربية عصرية، وجمعيات حماية المستهلك التي يقع على عاتقها الدفاع عن حق المجتمع في خيارات تحترم هويته، والأسرة التي تبقى المدرسة الأولى في ترسيخ الذوق والقيم. فالمغرب ليس في حاجة إلى استنساخ أذواق الآخرين، بل إلى صناعة موضته الخاصة التي تجعل من الأصالة مصدر قوة، ومن الحداثة وسيلة للإبداع، لا بوابة لطمس الموروث الثقافي.





