الدولة التي لا تحمي بياناتها… لا تملك سيادتها

سعيد كان

رأي_كانت الدول، حتى وقت قريب، تقيس سيادتها بما تملكه من حدود، وجيش، ومجال جوي، وقوة بحرية. وكانت الحروب تبدأ عندما تعبر دبابة الحدود، أو عندما تحلق طائرة في سماء دولة أخرى. أما اليوم، فقد تعبر أخطر الهجمات الحدود من دون دبابة واحدة، ومن دون أن يسمع أحد صوت رصاصة.

يكفي أن ينجح مهاجم في اختراق قاعدة بيانات، أو تعطيل منصة حكومية، أو تسريب معلومات حساسة، حتى تجد دولة نفسها أمام أزمة أمنية واقتصادية وسياسية، رغم أن حدودها البرية لم تمس.

لهذا، لم تعد السيادة تقاس فقط بحماية التراب الوطني، بل أيضا بحماية الفضاء الرقمي.

لقد شكلت  الهجمات الإلكترونية التي استهدفت مؤسسات مغربية خلال الفترة الأخيرة، ومن بينها الاختراقات المنسوبة إلى مجموعة جبروت“، جرس إنذار حقيقي. فبعيدًا عن الجدل السياسي الذيرافق هذه العمليات، فإن الرسالة الأهم كانت واضحة: الدولة التي لاتحمي بياناتها، لا تملك سيادة كاملة على قرارها الرقمي.

واللافت أن المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI) لا تتعامل مع هذه المخاطر باعتبارها حوادث معزولة، بل تصدر بشكل شبه أسبوعي نشرات تحذيرية حول ثغرات حرجة، وهجماتيوم الصفر“، وبرمجيات الفدية، وحملات التجسس الإلكتروني التي تستهدف الإدارات، وشركات الاتصالات، والبنى التحتية الحيوية. كما أصدرمركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية (maCERT) تحذيرات من حملات تجسس استهدفت مؤسسات حكومية وبنى تحتيةفي شمال إفريقيا والشرق الأوسط، مع توصيات بتعميم المصادقة متعددة العوامل، وتعزيز المراقبة الأمنية، والاستجابة السريعة للحوادث.

هذا يعني أن المعركة لم تعد افتراضية.

إنها معركة تدور كل يوم.

وإذا كان المواطن العادي يرى في الاختراق مجرد خبر عابر، فإنالاقتصادي يرى فيه خطرًا على الاستثمار، ورجل الأعمال يراه تهديدًا للثقة، بينما ينظر إليه خبير الأمن القومي باعتباره مساسا بالسيادة نفسها.

وليس المغرب استثناءً. فالولايات المتحدة أنشأت قيادة عسكرية متخصصة في الفضاء السيبراني، والاتحاد الأوروبي استثمر مليارات الدولارات في تعزيز أمنه الرقمي، والصين تعتبر البيانات موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة أو الصناعة. لقد أدرك الجميع أن من يسيطر على البيانات، يمتلك جزءًا من المستقبل.

ولعل المفارقة الكبرى أن أغلى الشركات في العالم اليوم لا تستخرجالنفط، ولا تصنع الحديد، ولا تبيع الذهب.

إنها تجمع البيانات. تقدر  القيمة السوقية لكبرى شركات التكنولوجيا العالمية بتريليوناتالدولارات، لأن أصولها الحقيقية ليست الآلات، بل البياناتوالخوارزميات والكفاءات القادرة على تحويل تلك البيانات إلى قراراتومنتجات وخدمات.

هنا يطرح السؤال نفسه على المغرب.

هل يكفي أن نرقمن الخدمات العمومية؟

الجواب: لا.

فالرقمنة ليست شراء خوادم، ولا إطلاق تطبيقات جديدة، ولا تحويلالوثائق الورقية إلى ملفات إلكترونية.

الرقمنة الحقيقية تبدأ عندما تصبح البيانات أصلا استراتيجيا، وعندما تدار وفق معايير صارمة للحماية، وعندما تتحول إلى مصدرلاتخاذ القرار وصناعة القيمة الاقتصادية.

لكن حتى هذا لا يكفي.

لأن الثروة الرقمية لا يصنعها الحاسوب، بل الإنسان.

ولهذا فإن المدرسة والجامعة أصبحتا جزءًا من منظومة الأمن القومي.

ما زال جزء من نظامنا التعليمي يكافئ حفظ المعلومات، بينما أصبحتالمعلومات متاحة للجميع بضغطة زر. أما ما يحتاجه المغرب اليوم فهوجيل يتقن تحليل البيانات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الخوارزميات، وهندسة البرمجيات.

نحن لا نحتاج فقط إلى مستخدمين للتكنولوجيا، بل إلى صناع لها.

ولا نحتاج فقط إلى مستهلكين للذكاء الاصطناعي، بل إلى باحثين ومهندسين قادرين على تطوير نماذج تخدم احتياجاتنا الوطنية.

فالدول التي تعتمد بالكامل على منصات أجنبية، وخدمات سحابية أجنبية، وخوارزميات أجنبية، قد تبدو مستقلة سياسيا، لكنها تظلمعرضة لتبعية رقمية تحد من قدرتها على التحكم في بياناتها وقراراتهاالتقنية.

السيادة الرقمية لا تعني الانغلاق، ولا تعني بناءإنترنت وطنيمعزول، بل تعني امتلاك الحد الأدنى من القدرة على حماية البيانات، وتأمين البنى التحتية، وتطوير الكفاءات، واتخاذ القرار التقني دونارتهان كامل للخارج.

لقد كانت الثروات في القرن العشرين تستخرج  من باطن الأرض.

أما في القرن الحادي والعشرين، فإن الثروة تستخرج من قواعدالبيانات، ومن العقول التي تعرف كيف تقرؤها وتحميها.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا لم يعد: كم نملك منالموارد الطبيعية؟

بل: كم نملك من المهندسين؟ وكم نملك من الباحثين؟ وكم نملك منالقدرة على حماية بياناتنا؟

لأن الدولة التي تخسر بياناتها، قد لا تخسر معركة إلكترونية فقط

بل قد تخسر جزءًا من سيادتها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى