
حسين العياشي
خبر_ تُفاقم أزمة اليد العاملة في مدينة طنجة متاعب قطاع البناء، بعدما امتدت موجة الخصاص التي أربكت في وقت سابق مصانع “الكابلاج” إلى واحد من أكثر القطاعات ارتباطا بالحركية الاقتصادية والاستثمارية في عاصمة البوغاز. وبين أوراش تتباطأ، ومشاريع تتعثر، ومنعشين يترقبون انفراجا لا تبدو ملامحه في الأفق، يواجه القطاع تحديا جديدا يهدد وتيرة النمو العمراني بالمدينة.
ولم يعد المشكل مقتصرا على صعوبة استقطاب العمال، بل تحول إلى معضلة ميدانية ألقت بظلالها على سير عدد من الأوراش الكبرى، بعدما اختار كثير من العمال مغادرة مواقع البناء والعودة إلى مناطقهم الأصلية، مستفيدين من موسم الحصاد الذي وفر لهم فرص عمل اعتبروها أكثر جدوى وأقل تكلفة.
وأكدت مصادر مهنية أن قطاع البناء يعيش واحدة من أصعب مراحله منذ سنوات، في ظل الخصاص الحاد في اليد العاملة الذي بات يؤثر بشكل مباشر على تقدم الأشغال واحترام آجال إنجاز المشاريع. وأضافت أن عددا من المنعشين العقاريين وجدوا أنفسهم أمام صعوبات متزايدة في تأمين الموارد البشرية اللازمة لاستمرار الأوراش بنفس الوتيرة.
وأرجعت المصادر ذاتها هذا الوضع إلى التحولات التي شهدها سوق الشغل خلال الأشهر الأخيرة، موضحة أن ارتفاع تكاليف المعيشة بمدينة طنجة دفع العمال إلى المطالبة برفع الأجر اليومي إلى ما لا يقل عن 300 درهم، بعدما أصبحت الأجور السابقة غير قادرة على مجاراة مصاريف السكن والتنقل ومتطلبات الحياة اليومية. وحذرت من أن استمرار هذا الخصاص قد ينعكس مستقبلا على تكلفة البناء، ويؤدي إلى تأخر تسليم المشاريع، مع احتمال انتقال جزء من هذه الأعباء إلى أسعار العقارات.
وفي المقابل، كشف عدد من المنعشين العقاريين أن نسبة مهمة من العمال الذين كانوا يشتغلون بأوراش طنجة فضلت العودة إلى المناطق الفلاحية مباشرة بعد عيد الأضحى، حيث استقطبهم موسم الحصاد بعروض عمل قريبة من محيطهم الأسري، دون الحاجة إلى تحمل تكاليف الكراء والمعيشة المرتفعة داخل المدينة.
وأوضح هؤلاء أن عددا من العمال باتوا يفضلون دخلا يوميا قد يكون أقل من نظيره في قطاع البناء، مقابل الاستقرار إلى جانب عائلاتهم وتجنب المصاريف التي كانت تستنزف جزءا كبيرا من مداخيلهم، وهو ما جعل العمل الفلاحي يبدو أكثر ربحية من الناحية العملية.
ومن جهة أخرى، يرى عدد من المهنيين والعاملين في القطاع أن الأزمة تعكس اختلالا أعمق في منظومة الأجور، إذ لم تعد المبالغ التي يتقاضاها “المعلم” أو العامل تواكب الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، في وقت يشهد فيه القطاع العقاري مشاريع بموازنات مالية ضخمة.
ويؤكد مهنيون أن أجر “المعلم” يدور في حدود 300 درهم يوميا، فيما لا يتجاوز أجر العامل 170 درهما في كثير من الحالات، وهي مبالغ يعتبرها العاملون غير كافية لتغطية متطلبات أسرهم، ما يدفع عددا منهم إلى تفضيل الاشتغال مباشرة مع الأفراد في أوراش البناء الخاصة، أو البحث عن فرص عمل في قطاعات أخرى توفر استقرارا أكبر ومردودية أفضل.
وتعكس هذه المؤشرات تحولا لافتا في سوق الشغل بمدينة طنجة، حيث لم تعد المدينة التي كانت تستقطب آلاف العمال من مختلف جهات المملكة قادرة على الاحتفاظ بجزء من يدها العاملة. ومع استمرار هذا النزيف، تتزايد المخاوف من أن تتحول أزمة الخصاص إلى عائق حقيقي أمام دينامية الاستثمار، في وقت يحتاج فيه قطاع البناء إلى حلول تعيد التوازن بين كلفة العيش، ومستوى الأجور، ومتطلبات استمرار الأوراش الكبرى.





