نعوم ل”إعلام تيفي”: الشراكة المغربية الفرنسية دخلت مرحلة الندية… والمغرب أصبح مرجعا في بناء العلاقات مع إفريقيا

مديحة المهادنة

خبر_أكد الدكتور عبد الفتاح نعوم أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاضي عياض بمراكش أن العلاقات المغربية الفرنسية تشهد اليوم مرحلة جديدة تقوم على الندية والاحترام المتبادل، معتبراً أن تجاوز أزمة السنوات الماضية فتح الباب أمام إعادة بناء شراكة استراتيجية أكثر توازناً، ترتكز على المصالح المشتركة بدل منطق الوصاية أو الإجراءات الأحادية.

وأوضح نعوم، في تصريح خص به “إعلام تيفي“، أن الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين الرباط وباريس، إلى جانب الزيارة الملكية المرتقبة إلى فرنسا، تعكس بوضوح طي صفحة ما وصفه بـ”سوء التفاهم الكبير” الذي طبع العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة، بعدما تبنت فرنسا موقفاً جديداً بشأن قضية الصحراء المغربية، انسجاماً مع المعيار الذي حدده المغرب في تقييم صدقية الشراكات الدولية.

وأضاف أن هذا التحول السياسي جعل مختلف العقبات السابقة قابلة للتجاوز، وأعاد تركيز العلاقات بين البلدين على مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي، مع الإقرار بأن وجود اختلافات بين الدول يظل أمراً طبيعياً، غير أن تدبيرها أصبح يتم، وفق تعبيره، في إطار الحوار والتنسيق، بعيداً عن أي قرارات أحادية الجانب.

وأشار المتحدث إلى أن فرنسا، التي كانت تتحفظ سابقا على توجه المغرب نحو تنويع شركائه الاقتصاديين والدوليين، أصبحت اليوم شريكاً في هذا التوجه، بعدما اقتنعت بجدوى النموذج المغربي القائم على الانفتاح على قوى اقتصادية متعددة، وإبرام شراكات تحقق المنفعة المتبادلة، مع احترام سيادة المملكة في اختياراتها الاستراتيجية.

وفي قراءته لموقع المغرب داخل الفضاء الأوروبي، اعتبر نعوم أن المملكة نجحت في بناء شبكة علاقات ثنائية مستقلة مع عدد من الدول الأوروبية، بعيداً عن أي ارتهان للعلاقة مع فرنسا، وهو ما منح الدبلوماسية المغربية هامشاً أوسع للحركة، ورسخ استقلالية القرار الخارجي للمملكة.

وعلى المستوى الإفريقي، يرى المحلل السياسي عبد الفتاح نعوم أن المغرب راكم، خلال السنوات الماضية، تجربة دبلوماسية متميزة، خصوصاً منذ تكثيف الجولات الملكية داخل القارة، حيث رسخ مقاربة تقوم على الندية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما مكّن المملكة، بحسب تقديره، من تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي وكسب ثقة عدد من العواصم الإفريقية.

واستحضر نعوم، في هذا السياق، مضامين الخطاب الملكي لسنة 2015 بمناسبة تخليد الذكرى الستين لاتفاقيات «لاسيل سان كلو»، والذي تلاه الأمير مولاي رشيد، معتبراً أنه شكّل تعبيراً مبكراً وواضحاً عن التحولات الكبرى التي ستطبع توجهات السياسة الخارجية للمملكة.

فقد أكد الخطاب أن اختيارات المغرب انعكست إيجابا على صورته في الخارج، باعتباره بلداً يراهن على الانفتاح، ويؤكد توجهه الطوعي نحو إفريقيا، ويقيم شراكات طموحة مع الاقتصادات الصاعدة، ويتمسك في الوقت ذاته بأفق بناء اتحاد مغاربي، رغم العراقيل والحسابات الضيقة التي تعاكس منطق التاريخ والتحولات الدولية.

وبحسب نعوم، فإن هذه الرؤية لم تظل مجرد توجه معلن، بل تحولت إلى سياسة عملية ترجمتها الاستثمارات المغربية داخل القارة، وتوسيع التعاون الثنائي، وبناء شراكات تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وهو ما جعل المغرب، في تقديره، ينجح في بلورة نموذج إفريقي مختلف، بعيد عن منطق الوصاية، وقائم على مبدأ «رابح-رابح»، في وقت ما تزال فيه فرنسا تبحث عن صيغة جديدة لترميم حضورها داخل القارة وتجاوز أثقال ماضيها الاستعماري

واعتبر أن فرنسا لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بإرثها الاستعماري وصورتها داخل عدد من الدول الإفريقية، مؤكدا أن التجربة المغربية في تدبير العلاقات مع القارة يمكن أن تشكل، من وجهة نظره، نموذجاً تستفيد منه باريس لإعادة بناء حضورها الإفريقي على أسس جديدة.

وأضاف أن السياسة الخارجية المغربية استطاعت، خلال السنوات الأخيرة، تكريس نموذج يقوم على الاعتدال واحترام الشركاء، والتعامل مع مختلف الدول وفق منطق المصالح المشتركة، بصرف النظر عن حجمها أو وزنها الاقتصادي، وهو ما عزز مكانة المملكة كفاعل يحظى بالثقة داخل محيطه الإقليمي والدولي.

وشدد نعوم على أن العلاقات مع فرنسا تظل ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للمغرب، لكنها لم تعد تشكل الإطار الوحيد لتحركاته الخارجية، في ظل انفتاح المملكة على شركاء جدد وقوى اقتصادية صاعدة، تنفيذاً لرؤية تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية.

وفي السياق ذاته، استحضر الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس سنة 2015 بمناسبة الذكرى الستين لاتفاقيات “لاسيل سان كلو”، معتبراً أنه شكل مرجعاً واضحاً في رسم معالم السياسة الخارجية المغربية، من خلال التأكيد على التوجه الإفريقي للمملكة، والانفتاح على القوى الصاعدة، وتنويع الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية.

وختم نعوم تصريحه بالتأكيد على أن العلاقات المغربية الفرنسية تجاوزت، في نظره، مرحلة السجال حول مبدأ الندية، وأصبحت تقوم على قاعدة “رابح – رابح”، بما يعكس تحولات أوسع تعرفها موازين القوى الدولية، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعاون بين البلدين، قائمة على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة، بعيداً عن منطق الهيمنة الذي طبع مراحل سابقة من التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى