ورقة بحثية: لماذا لا يشعر المغاربة بثمار النمو الاقتصادي؟.. دراسة ترصد فجوة متسعة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي

اعلام تيفي

بلاغ _ أصدر مركز التفكير أوميغا، اليوم الإثنين 20 يوليوز 2026، ورقة بحثية بعنوان “قراءة وتحليل في إشكالية عدم انعكاس دينامية المؤشرات الاقتصادية بالوتيرة نفسها على الحياة اليومية للأسر”، سعت إلى تفسير المفارقة التي يعيشها الاقتصاد المغربي، حيث تسجل المؤشرات الماكرو-اقتصادية تحسناً ملحوظاً، بينما تستمر الأسر في الإحساس بتدهور أوضاعها المعيشية.

واعتمدت الورقة على مقاربة تحليلية نسقية، جمعت بين معطيات الحسابات الجهوية لسنة 2024 ونتائج بحث الظرفية لدى الأسر خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بهدف فهم أسباب اتساع الهوة بين النمو الاقتصادي والواقع الاجتماعي، مع تقديم قراءة استشرافية وسيناريوهات وتوصيات لصناع القرار.

وأكدت الدراسة أن الاقتصاد المغربي حقق خلال سنة 2024 نموا حقيقيا بلغ 4.4 في المائة، غير أن هذا النمو لم ينعكس بالشكل نفسه على الحياة اليومية للمواطنين، إذ أظهرت نتائج بحث الظرفية أن 78.3 في المائة من الأسر المغربية صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال السنة الأخيرة، فيما لم تتجاوز نسبة الأسر التي أكدت تحسن أوضاعها 5.2 في المائة.

وترى الورقة أن هذا التناقض يعكس ما وصفته بـ”المفارقة البنيوية المركزية”، حيث ينجح الاقتصاد في إنتاج الثروة، لكنه يفشل في توزيع آثارها بشكل متوازن بين الجهات والفئات الاجتماعية، وهو ما يجعل النمو الاقتصادي غير قادر على تحويل نتائجه إلى تحسن ملموس في دخل الأسر وقدرتها الشرائية.

وأبرزت الدراسة أن ثلاث جهات فقط، هي الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة، تستحوذ على 58.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، في حين تظل مساهمة باقي الجهات محدودة، رغم تسجيل بعضها معدلات نمو مرتفعة، وهو ما يعكس استمرار تمركز النشاط الاقتصادي والثروة في عدد محدود من الأقطاب.

كما كشفت الورقة عن تفاوتات جهوية كبيرة في معدلات النمو، إذ تصدرت جهتا العيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب النمو الاقتصادي، بينما سجلت جهات مثل فاس-مكناس وبني ملال-خنيفرة أضعف المعدلات، الأمر الذي يعمق الفوارق المجالية ويحد من عدالة التنمية.

وفي تحليلها للبنية الاقتصادية، أوضحت الدراسة أن قطاع الخدمات يمثل 52.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل 25.6 في المائة للقطاع الصناعي و10.7 في المائة للقطاع الأولي، معتبرة أن هيمنة الخدمات لا تعني بالضرورة الانتقال إلى اقتصاد معرفي، لأن جزءاً مهماً منها يظل منخفض الإنتاجية ولا يخلق قيمة مضافة مرتفعة أو فرص شغل ذات جودة.

وسجلت الورقة تفاوتا واضحا في الناتج الداخلي للفرد بين الجهات، إذ يتجاوز 92 ألف درهم في جهة الداخلة-وادي الذهب، بينما يقل عن 29 ألف درهم في جهة مراكش-آسفي، مع التنبيه إلى أن هذه الأرقام لا تعكس الدخل الحقيقي للسكان، لأن جزءا كبيراً من القيمة المضافة يتحول إلى أرباح للشركات أو يغادر المجال الترابي عبر الاستثمارات والتحويلات.

كما وقفت الدراسة عند اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، مبرزة أن الجهات ذات الإنتاج المرتفع لا تستفيد بالضرورة من استهلاك محلي مرتفع، لأن قسماً مهماً من الثروة لا يبقى داخل الاقتصاد المحلي، بينما تعتمد جهات أخرى بشكل أكبر على الأجور والتحويلات والإنفاق العمومي للحفاظ على مستويات الاستهلاك.

وفي الجانب الاجتماعي، أظهرت نتائج البحث أن 57.2 في المائة من الأسر تتوقع ارتفاع البطالة، فيما لم تتمكن سوى 2.6 في المائة من الادخار، واضطرت 38.7 في المائة إلى اللجوء إلى مدخراتها أو الاقتراض لتغطية نفقاتها، وهو ما يعكس تراجعاً واضحاً في الإحساس بالأمن الاقتصادي لدى الأسر المغربية.

وترجع الورقة هذا الوضع إلى مجموعة من العوامل، من بينها استمرار التضخم وارتفاع الأسعار، وعدم تحول النمو الاقتصادي إلى دخل مباشر للأسر، إضافة إلى تمركز الثروة في جهات محددة، واتساع الفوارق المجالية، وارتفاع تكاليف السكن والنقل والخدمات الأساسية بوتيرة أسرع من نمو الدخول.

وخلصت الدراسة إلى أن المغرب لم يعد يعيش اقتصادا واحدا متجانسا، بل مجموعة من الاقتصادات الجهوية ذات الخصائص المختلفة، بعضها صناعي موجَّه للتصدير، وبعضها فلاحي مرتبط بالتقلبات المناخية، وأخرى تعتمد على السياحة أو الخدمات أو الاقتصاد البحري، وهو ما يستدعي إعادة صياغة السياسات العمومية وفق خصوصيات كل جهة.

ودعت الورقة إلى الانتقال من التركيز على معدل النمو إلى جودة النمو، عبر تعزيز الاستثمار المنتج، وخلق فرص شغل مستقرة، وربط التنمية بارتفاع الدخل الحقيقي للأسر، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار النمو، حتى تتحول المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى تحسن ملموس في مستوى عيش المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى