
حسين العياشي
تقرير_ رسّخ المغرب موقعه ضمن أكثر الاقتصادات الإفريقية أمانًا للاستثمار، بعدما صنّفه تقرير “Africa Risk Dimension Report 2026”، الصادر عن مكتب Sompa & Partners، في صدارة الدول ذات المخاطر الاستثمارية المنخفضة بالقارة، مستندًا إلى متانة مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتطور الإطار القانوني، والزخم غير المسبوق الذي تعرفه مشاريع البنية التحتية.
وفي وقت لا تزال فيه عدة اقتصادات إفريقية dcc de ترزح تحت وطأة الاضطرابات السياسية، والاختلالات الاقتصادية، والهشاشة الأمنية، يواصل المغرب ترسيخ صورته كوجهة استثمارية مستقرة وقادرة على استقطاب الرساميل طويلة الأمد. فقد منحه التقرير 69 نقطة ضمن مؤشر يقيس مستويات المخاطر في أكبر خمسة عشر اقتصادًا إفريقيًا، ليحل بين أقل الدول تعرضًا للمخاطر الاستثمارية، متقدمًا على اقتصادات وازنة مثل الجزائر وغانا وكينيا وكوت ديفوار وجنوب إفريقيا، فيما جاءت مصر في المرتبة الأفضل قاريا.
واعتمد التقرير، الذي شمل الاقتصادات الإفريقية الأكبر من حيث الناتج الداخلي الخام، على سبعة محاور رئيسية لقياس بيئة الاستثمار، شملت الحكامة السياسية، والوضع الاقتصادي والمالي، والإطار القانوني، والأمن، ورأس المال البشري، والمناخ، والبنية التحتية، مستندًا إلى منهجية خاصة وبيانات موثقة لتقييم جاذبية الاستثمار داخل القارة.
ويرى معدو التقرير أن الاقتصاد المغربي يواصل إظهار قدر ملحوظ من الصلابة، مدعومًا بتوقعات نمو تتراوح بين 4.4 و5.6 في المائة خلال سنة 2026، مدفوعة أساسًا بانتعاش النشاط الفلاحي بعد سنوات من الجفاف، إلى جانب استقرار مستويات التضخم، وهو ما أتاح لبنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي في حدود 2.25 في المائة خلال الأشهر الأولى من السنة.
ولم يقتصر التقييم الإيجابي على وتيرة النمو، بل امتد إلى المؤشرات المالية الكبرى، إذ يتوقع التقرير تراجع الدين العمومي من 67.1 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025 إلى نحو 60.5 في المائة في 2026، بالتوازي مع استقرار نسبي لقيمة الدرهم أمام الدولار، بما يعكس تحسنًا تدريجيًا في التوازنات الماكرو اقتصادية.
كما أبرز التقرير تنامي ثقة المؤسسات المالية الدولية في الاقتصاد المغربي، مستحضرًا قرار وكالة Standard & Poor’s رفع التصنيف السيادي للمملكة إلى BBB-/A-3، استنادًا إلى جودة التدبير الاقتصادي واستقرار المؤشرات المالية، فضلاً عن المراجعة الإيجابية التي أجراها صندوق النقد الدولي في إطار خط الائتمان المرن، دون تسجيل اختلالات جوهرية.
وعلى المستوى المؤسساتي، اعتبر التقرير أن الإصلاحات القانونية التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة أسهمت في بناء بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، خاصة في ما يتعلق بحماية المستثمرين وتسوية المنازعات التجارية، وهو ما جعل المملكة، بحسب معدي الدراسة، تتوفر على أحد أكثر الأطر القانونية ملاءمة للتحكيم والاستثمار داخل القارة.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن المغرب يواصل تصدر بلدان المغرب الكبير في مؤشر إدراك الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، متقاسمًا المرتبة مع تونس ومتقدمًا بفارق واضح عن الجزائر، وهو معطى اعتبره التقرير عنصرًا إضافيًا يعزز ثقة المستثمرين.
غير أن الورقة الرابحة، بحسب التقرير، تبقى البنية التحتية، التي وصفها بأنها أكبر نقاط القوة الاستراتيجية للمملكة. فالمغرب يمضي في تنفيذ برنامج استثماري ضخم تصل قيمته إلى 100 مليار دولار بين 2025 و2030، يشمل مشاريع النقل واللوجستيك والطاقة، في إطار الاستعدادات لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030.
ومن بين المشاريع التي توقف عندها التقرير، تمديد خط القطار فائق السرعة “البراق” نحو مراكش، بدعم من البنك الإفريقي للتنمية، إلى جانب برامج استثمارية أخرى موجهة لتطوير السكك الحديدية والمطارات والمناطق اللوجستية، فضلاً عن الاستراتيجية المينائية التي تمتد إلى أفق 2030، والرامية إلى تعزيز قدرات ميناء طنجة المتوسط وتوسيع ارتباطاته البحرية مع أكثر من 180 ميناءً في 70 دولة.
ويخلص التقرير إلى أن هذا الورش الاستثماري الواسع لا يقتصر على تحديث البنية التحتية، بل يؤسس لتحول هيكلي يعزز تموقع المغرب كمنصة صناعية ولوجستية إقليمية، ويمنحه أفضلية تنافسية في سباق استقطاب الاستثمارات داخل القارة الإفريقية، في مرحلة أصبحت فيها الثقة والاستقرار من أكثر العناصر حسماً في قرارات المستثمرين.





