
اعلام تيفي – أبو ريتاج
مساء السبت الماضي، وأمام حشد من مناضلي حزبه بمدينة الداخلة، اختار عزيز أخنوش رئيس الحكومة والرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار، أن يخرج عن نصه المعتاد ليرد بلهجة حادة على خبر كان قد هزّ المشهد السياسي قبل ساعات عنوانه الكبير انضمام فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة.
لم يستطع أخنوش كتم انزعاجه، فانطلق في تصريح سيتحول بسرعة إلى مادة تداول واسعة على الشبكات الاجتماعية ومواقع الأخبار: “سمحوا ليا، حنا ماشي في ميركاتو.. اللي عندو عندو واللي ما عندوش ما عندوش“، مضيفا بنبرة استعلائية أن حزبه “مشتل للكفاءات” لا يحتاج، على عكس خصومه بحسب زعمه، إلى “شراء” الوجوه المعروفة في اللحظات الأخيرة قبيل كل موعد انتخابي.
المشكلة أن هذا الخطاب، الذي يقدّم التجمع الوطني للأحرار كحزب “نظيف” يُنتج أطره من الداخل بينما يتّهم خصومه ضمنيا بـ “شراء الذمم” السياسية، يصطدم بجدار صلب من الوقائع الموثقة.
فحين نفتح أرشيف “الحمامة” منذ 2016 إلى اليوم، يتبين أن الحزب الذي يتحدث اليوم عن “مشتل” بناه هو نفسه، بشكل منهجي ومتكرر، عبر واحدة من أضخم عمليات “الميركاتو” السياسي التي عرفها المغرب في العقد الأخير وأن “الميركاتو” لم يكن استثناء عابرا في تاريخه، بل كان الآلية التي صعد بها إلى قمة السلطة.
زعيم “الأحرار” نفسه..”باراشوت” من عالم المال
قبل أن يتحدث أخنوش عن “مشتل” حزبه، عليه أن يتذكر كيف وصل هو نفسه إلى رئاسته، فبعد الهزيمة المخيبة التي تلقاها التجمع الوطني للأحرار في انتخابات 7 أكتوبر 2016 ، حين لم يحصد الحزب سوى 37 مقعدا من أصل 395، متذيلا الترتيب في المرتبة الرابعة خلف العدالة والتنمية (125 مقعدا) والأصالة والمعاصرة (102 مقعد) والاستقلال (46 مقعدا) اضطر صلاح الدين مزوار إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب، وقَبِلها المكتب السياسي يوم 12 أكتوبر 2016.
عقد الحزب مؤتمرا استثنائيا يوم 29 أكتوبر 2016 لم يحضره فعليا سوى مرشح واحد بالإجماع ولم يكن سوىعزيز أخنوش، رجل الأعمال ووزير الفلاحة، الذي كان قد جمّد انتماءه للحزب منذ سنوات طويلة قبل أن يعيد تنشيط بطاقته الحزبية في نفس اليوم الذي انتُخب فيه رئيسا.
لم يكن أخنوش قياديا تدرج وصعد من داخل التنظيمات الشبابية أو الفروع المحلية للحزب، ولم يكن حتى مناضلا نشيطا في صفوفه، بل رجل مال وأعمال تم “استدعاؤه” مباشرة إلى قمة الهرم الحزبي في لحظة أزمة، بقرار فوقي لا نقاش فيه، وهي بالضبط الصورة التي وصفتها الصحافة الفرنكوفونية وقتها بـ”الهبوط بالباراشوت” (parachutage).
المفارقة الأولى بارزة إذن منذ البداية، الرجل الذي يتحدث اليوم عن حزب “ينتج” كفاءاته من الداخل، هو نفسه أحد أوضح الأمثلة على “الاستدعاء” من الخارج نحو قمة السلطة الحزبية.
2021.. السنة التي بيع فيها “الميركاتو” على المكشوف
إذا كان أكتوبر 2016 قد أدخل أخنوش إلى الحزب من بابه الواسع، فإن 2021 هي السنة التي حوّل فيها “الأحرار” الاستقطاب السياسي إلى استراتيجية معلنة وممنهجة، قبيل الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية المقررة يوم 8 سبتمبر من تلك السنة.
وثّقت الصحافة المغربية حينها كيف أن حزب “الحمامة” “يفضل الاستعانة بلاعبين قدامى جلبهم من أحزاب سياسية أخرى على غرار الأصالة والمعاصرة وحزب الحركة الشعبية”.
وجرد بسيط جدا للقائمة المصغرة التي يتقدمها محمد غياث، أحد أبرز برلمانيي حزب الأصالة والمعاصرة في دائرة سطات، الذي بدّل قميصه “البامي” بقميص “الحمامة” في نفس الدائرة الانتخابية التي بناها طيلة سنوات تخفي الأكثر غرابة.
الإسم الثاني، هو محمد السيمو، البرلماني البارز عن حزب الحركة الشعبية في دائرة العرائش، والذي يمتلك وزنا انتخابيا ثقيلا في منطقته، انتقل هو أيضا إلى صفوف الأحرار حينها,“الأحرار” استقطابها لدائرة اليوسفية بالرباط العاصمة.
وبالتوازي مع “اصطياد” الوجوه المعروفة من الباموالحركة الشعبية، عرف الحزب موجة أخرى من “المنشقين” القادمين من حزب العدالة والتنمية، انتشرت جغرافيا عبر حي الحسن بالرباط، والقنيطرة، وتازة، وسوس ماسة، وفاس مكناس، في ما وصف حينها باتجاه الحزب الحاكم اليوم,
والنتيجة كانت مذهلة، حزب لم يحصل سوى على 37 مقعدا في 2016 قفز إلى 102 مقعد في 2021، متصدرا الترتيب الوطني بفارق كبير عن البام (87 مقعدا) والاستقلال والعدالة والتنمية الذي انهار من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا فقط.
والتالي، لم تكن هذه الطفرة الانتخابية إنتاج “مشتل” داخلي، بقدر ما كانت حصاد سياسة استقطاب مدروسة استهدفت بدقة أعيان الدوائر ذات الوزن الانتخابي الثقيل، بصرف النظر عن انتمائهم الحزبي السابق.
رئاسة الفريق البرلماني.. كرسي”بامي” لخمس سنوات كاملة
هنا يكمن جوهر المفارقة التي يحاول تصريح أخنوش التستر عليها، فمنصب رئيس الفريق البرلماني للأحرار بمجلس النواب أي أعلى موقع تمثيلي للحزب داخل الغرفة الأولى للبرلمان شغله بالتتابع، وعلى مدى خمس سنوات كاملة دون انقطاع (2021-2026)، سياسيان اثنان قادمان كلاهما من حزب الأصالة والمعاصرة، لا من “مشتل” الأحرار.
الأول هو محمد غياث، البرلماني القادم من “البام“ في دائرة سطات، والذي لم يكتفِ بالفوز بمقعده في انتخابات 2021، بل تُوّج بعدها مباشرة رئيسا لفريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، وظل يشغل هذا المنصب المحوري حتى أبريل 2024، حين مُنح مقعد نائب رئيس مجلس النواب تعويضا عن تنازله عن رئاسة الفريق.
من خلفه في المنصب؟ محمد شوكي، الذي بدأ مساره السياسي بالكامل داخل حزب الأصالة والمعاصرة، حيث شغل منصب المنسق الجهوي للبام بجهة فاس-مكناس، وعضوية المجلس الجهوي عن إقليم بولمان وهو أيضا نجل أحمد شوكي، البرلماني السابق عن البام بالإقليم نفسه.
لم ينتقل شوكي إلى “الأحرار” إلا بعد ذلك، حيث تدرج فيه بسرعة لافتة حتى وصل إلى رئاسة الفريق البرلماني في أبريل 2024.
وبالفعل، شوكي بدأ مسيرته في حزب البام، ثم جمّع رحاله واتجه إلى حزب الأحرار بعدما ظهر له أن المرحلة مرحلة الأزرقكما أن أحد قياديي البام أنفسهم وهو محمد أوجار عبّر سابقا عن المفارقة بسخرية بالغة بقوله: “شوكي كان كل طموحه أن يقود شبيبة البام على عهد إلياس العماري، الآن هو موعود بقيادة الحزب الأول في المغرب”
وكانت جريدة “الانتفاضة” فد اعتبرت حينها، أن وصوله إلى قيادة الحزب هو بدوره “نزول بالباراشيت” من خارج الصف التنظيمي التقليدي للأحرار.
أي بعبارة أوضح، خلال كل الفترة التي تلت انتخابات 2021 وحتى مارس 2026، أي طيلة الولاية التشريعية التي شهدت تصريحات أخنوش المتكررة عن “المشتل”، لم يكن على رأس الفريق البرلماني للأحرار سوى وجهين قادمين مباشرة من حزب الأصالة والمعاصرة.
والأخطر.. رئيس حزب “الأحرار” اليوم قادم من البام
لكن الأمر لا يتوقف عند رئاسة الفريق البرلماني، فمحمد شوكي القادم أصلا من البام كما فُصّل أعلاه، هو نفسه من انتُخب بالاجماع بـ 1910 صوتا من أصل 1933رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار بالكامل خلفا لعزيز أخنوش شخصيا، خلال المؤتمر الاستثنائي المنعقد بمدينة الجديدة يوم 7 فبراير 2026
معنى ذلك أن أخنوش رئيس الحكومة، الذي أدلى بتصريح “المشتل” في السبت الماضي، كان يتحدث بصفته الرئيس السابق لحزب يقوده اليوم رسميا وبشكل معلن سياسي بدأ حياته الحزبية كاملة في صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، وتقلد فيه مسؤوليات تنظيمية جهوية، قبل أن “يستورده” الأحرار إلى صفوفه.
فإذا كان “الميركاتو” جريمة سياسية بحسب أخنوش، فإن “الأحرار” اليوم يُدار من قمته رئاسة الحزب نفسها بيد أحد “منتجات” هذا الميركاتو بالضبط.
الاستقطاب لم يتوقف من 2024 إلى صيف 2026
الوقائع الأحدث تؤكد أن نمط “الميركاتو” لم يكن عابرا، بل استراتيجية دائمة لهذا لابد من الاستناد إلى جرد آخر لا يقل أهمية، ففي أكتوبر 2024 أعلن كل من فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين ومجموعة العدالة الاجتماعية التي تتألف من ثلاثة مستشارين برلمانيين وصلوا إلى الغرفة باسم حزب العدالة والتنمية في وثيقة موقعة بتاريخ 08 أكتوبر 2024 عن اندماجهما في فريق جديد تحت اسم “فريق التجمع الوطني للأحرار“.
وأعلنت حينها الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية التي كان يقودها سعد الدين العثماني يوم الأربعاء 6 أكتوبر2021، أن الحزب “غير معني بالعضوية في مجلس المستشارين، ودعت مرشحي الحزب الذين تم إعلانهم “فائزين“ لتقديم استقالاتهم من عضوية المجلس وفق المسطرة القانونية الجاري بها العمل“.
لكن ما الذي حدث؟ حينها قرروا الالتحاق رسميا بفريق حزب رئيس الحكومة، وانضموا لـ “الحمامة” بعدما أعلن الحزب تبرؤه من أي اتفاق مع أي من المكونات السياسية، باستثناء التنسيق الوحيد الذي تم مع حزب التقدم والاشتراكية محليا على أساس الدعم المتبادل,
من جهة ثانية، فإنه وعلى بعد أيام فقط من تصريح أخنوش في الداخلة، استقطب “الأحرار” في منطقة فاس الشمالية عشرات المنخرطين من حزب منافس، في عملية أشرف عليها منسق الحزب الإقليمي التهامي الوزاني، وذلك في خضم التحضيرات للاستحقاقات الانتخابية المقبلة وفق ما أكدته مصادر لموقع “حرية بريس” المحلي.
وأخيرا، السياق المباشر الذي أثار غضب أخنوش نفسه، أي انتقال فوزي لقجع إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة وهو تذكير بأن “الميركاتو” السياسي بالمغرب حركة ذات اتجاهين، لم يكن “الأحرار” فيها في أي وقت طرفا محايدا أو “مشتلا” منغلقا على نفسه، بل لاعبا نشطا ومستفيدا رئيسيا منها.
من يخاف من “الميركاتو“؟
يصف أخنوش حزبه بأنه “مشتل للكفاءات” في محاولة لرسم خط فاصل أخلاقي بينه وبين خصومه، في وقت يعرف فيه المشهد الحزبي المغربي حركية دائمة للكوادر والأعيان بين الأحزاب، لكن تفكيك الأرشيف السياسي لـ”الأحرار” منذ عودة أخنوش نفسه إلى رئاسته في أكتوبر 2016 يكشف صورة مغايرة تماما لما يقوله رئيس الحكومة السابق.
فرئيس الحزب السابق الذي أطلق تصريح “المشتل” عزيز أخنوش وصل إلى القمة بعملية شبيهة بـ”الهبوط بالباراشوت” من عالم المال والأعمال.
ورئيس الحزب الحالي محمد شوكي، قادم أصلا من حزب الأصالة والمعاصرة، وتدرج فيه تنظيميا قبل أن ينتقل إلى “الأحرار” ورئاسة الفريق البرلماني ذاتها شغلها لخمس سنوات متتالية (2021-2026) سياسيان غياث ثم شوكي قادمان كلاهما من “البام“.
والحصيلة الانتخابية الكبرى لسنة 2021 (102 مقعد) بُنيت جزئيا على استقطاب مكثف ومُعلن لأسماء من الباموالحركة الشعبية والعدالة والتنمية.
الاستقطاب لم يتوقف، من اندماج مستشاري “العدالة الاجتماعية” في 2024، إلى حملة فاس الشمالية في يوليوز 2026، أياما فقط قبل تصريح الداخلة نفسه.
الحزب الذي يهاجم اليوم “الميركاتو” السياسي، ويرفع راية “المشتل” النقي، هو بشهادة أرشيفه الخاص لا بشهادة خصومه أحد أكبر المستفيدين من هذه اللعبة نفسها في المغرب المعاصر، بدءا من قائده التاريخيمرورا برئيسه الحالي، وانتهاء بالكرسي الأبرز في فريقه البرلماني.
والسؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذا الجرد ليس “من يمارس الميركاتو؟” بل: “من الذي يملك الجرأة لينكره وهو غارق فيه حتى قمة هرمه التنظيمي؟”





