عيد العرش المجيد.. سبعة وعشرون عاما من الرؤية الملكية التي صنعت مغرب الإنجازات ورسخت أسس مغرب المستقبل

علي العسراوي – باحث في العلوم السياسية
تحل الذكرى السابعة والعشرون لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عرش أسلافه المنعمين، في ظرفية وطنية ودولية خاصة، تزداد فيها أهمية استحضار المسار الذي قطعته المملكة خلال ما يقارب ثلاثة عقود من الإصلاحات والأوراش الكبرى، وما حققته من تحول نوعي جعلها اليوم أكثر تنافسية، وأكثر اندماجا في الاقتصاد العالمي، وأكثر قدرة على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية.
وقد جاء الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش لهذه السنة ليؤكد، بلغة الوضوح والثقة، أن ما تحقق لم يكن نتيجة ظرف عابر أو تدبير مرحلي، وإنما ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم يقوم على المبادرة، والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، واستشراف المستقبل. وهي فلسفة حكم طبعت مختلف السياسات العمومية منذ اعتلاء جلالة الملك العرش، وترجمتها أوراش مهيكلة غيرت وجه المغرب ورسخت مكانته بين الاقتصادات الصاعدة.
وفي هذا السياق، شدد جلالة الملك على أن المغرب يعيش اليوم مرحلة فاصلة في مساره التنموي، عنوانها الثقة في المستقبل، والاعتماد على مؤسسات قوية وفعالة، والاستثمار في الاستقرار باعتباره الرأسمال الاستراتيجي للمملكة. كما أبرز جلالته أن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، وفي مقدمتها تحقيق نمو يقارب 4.9 في المائة سنة 2025، وتوقع الحفاظ على هذا النسق خلال سنة 2026، ليست سوى نتيجة طبيعية لتراكمات إيجابية امتدت لسنوات، قوامها حسن الاختيارات الكبرى واستمرارية المشاريع والإصلاحات.
ولعل أبرز تجليات هذه الرؤية الملكية يتجسد في الأوراش الاستراتيجية التي أصبحت اليوم تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، والتي انطلقت منذ السنوات الأولى للعهد الجديد.
ففي فبراير 2003، أعطى جلالة الملك الانطلاقة الرسمية لإنجاز ميناء طنجة المتوسط، المشروع الذي تجاوز مفهوم الميناء التقليدي ليصبح منصة لوجستية عالمية، وبوابة رئيسية لاندماج المغرب في سلاسل التجارة الدولية. واليوم، يحتل طنجة المتوسط مكانة متقدمة ضمن أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ويعد أحد أهم عوامل استقطاب الاستثمارات الصناعية وتعزيز الصادرات المغربية.
وفي السنة نفسها، تواصلت دينامية تحديث البنية التحتية من خلال تدشين الطريق السيار المداري للدار البيضاء وإطلاق أشغال الطريق السيار سطات-مراكش، ضمن برنامج وطني لتوسيع شبكة الطرق السيارة، مما أسهم في تعزيز الربط بين الجهات، وتقليص زمن التنقل، وتحسين جاذبية المجالات الترابية للاستثمار.
ومع التحولات العالمية المرتبطة بالطاقة والمناخ، اختار المغرب أن يكون في طليعة الدول الإفريقية في مجال الطاقات النظيفة، فجاء تدشين المركب الشمسي نور ورزازات سنة 2016 ليكرس هذا التوجه، باعتباره أحد أكبر مشاريع الطاقة الشمسية المركزة في العالم، ونموذجا للتحول الطاقي الذي جعل من الطاقات المتجددة ركيزة للأمن الطاقي والتنمية المستدامة.
وفي السنة نفسها، دشن جلالة الملك قنطرة محمد السادس والطريق السيار المداري للرباط، في إنجاز هندسي يعد الأكبر من نوعه في إفريقيا، كما أشرف على تدشين المرحلة الأولى من ميناء طنجة المتوسط، بما عزز القدرات اللوجستية للمملكة ورسخ موقعها كمركز إقليمي للنقل البحري.
وجاءت سنة 2018 لتسجل محطة تاريخية أخرى بتدشين القطار فائق السرعة “البراق”، أول قطار من نوعه في إفريقيا، الرابط بين طنجة والدار البيضاء، والذي شكل نقلة نوعية في منظومة النقل السككي، ورسخ صورة المغرب كبلد قادر على إنجاز مشاريع تكنولوجية كبرى وفق أعلى المعايير الدولية.
وفي مواجهة التحديات المناخية، أولت الرؤية الملكية أهمية قصوى للأمن المائي، حيث دشن جلالة الملك سنة 2020 محطة تحلية مياه البحر باشتوكة آيت باها، التي كانت عند إطلاقها الأكبر من نوعها في إفريقيا، لتأمين التزود بالماء الصالح للشرب ومياه السقي لفائدة أكادير الكبير، في تجسيد لسياسة استباقية في تدبير الموارد المائية.
أما سنة 2022، فقد عرفت انطلاق مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، باعتباره قطبا مينائيا وصناعيا ولوجستيا جديدا من شأنه تعزيز التنمية بشرق المملكة، وتوسيع الحضور المغربي على الواجهة المتوسطية.
وخلال سنة 2025، دخلت المملكة مرحلة جديدة من تحديث بنياتها الاستراتيجية، بإطلاق أشغال تمديد الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، إلى جانب برنامج ضخم لتجديد الأسطول السككي، وإطلاق برنامج سككي مهيكل بجهة الدار البيضاء-سطات، بما يواكب النمو الاقتصادي واستعدادات المملكة لاحتضان كأس العالم 2030.
وفي السنة ذاتها، دشن جلالة الملك أكبر منصة جهوية للاحتياطات الأولية لمواجهة الكوارث، في خطوة تؤكد انتقال المغرب إلى نموذج أكثر تطورا في تدبير المخاطر والأزمات، يقوم على الاستباق والجاهزية وسرعة التدخل، كما أشرف على تدشين محطة الرحلات البحرية الجديدة والمجمع الإداري الجديد بميناء الدار البيضاء، ضمن رؤية متكاملة لتحديث المنظومة المينائية الوطنية.
ولم تكن هذه الأوراش مجرد مشاريع للبنية التحتية، بل شكلت رافعة لتحولات اقتصادية عميقة، وهو ما أكده الخطاب الملكي حين أبرز أن المملكة أصبحت أول مصدر للسيارات في إفريقيا بقدرة إنتاجية تناهز مليون سيارة سنويا، وأن صادرات قطاعي السيارات والطيران تجاوزت 40 في المائة من إجمالي الصادرات الوطنية، متقدمة على صادرات الفوسفاط. كما أشار جلالة الملك إلى دخول المغرب نادي الدول المصنعة لمحركات وأنظمة هبوط الطائرات، وإطلاق مشاريع استراتيجية في مجال البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر، بما يعكس انخراط المملكة في الصناعات المستقبلية وسلاسل القيمة العالمية.
وفي السياق نفسه، أكد جلالة الملك أن الصناعات الغذائية والدوائية أصبحت تؤمن ما يقارب 80 في المائة من الحاجيات الوطنية، في ترجمة عملية لسياسة تعزيز السيادة الصناعية والاكتفاء الاستراتيجي، كما أعلن عن توجه المملكة نحو تطوير قاعدة صناعية في مجالي الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، بما يعزز السيادة الوطنية ويفتح افاقا جديدة للاستثمار والتشغيل.
ولم يغفل الخطاب الملكي البعد الاجتماعي، إذ جدد التأكيد على مواصلة تنزيل برامج التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتعزيز التنمية الترابية المندمجة، باعتبارها ركائز أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. كما دعا جلالته القطاع المالي الوطني إلى الاضطلاع بدور أكبر في تمويل الاستثمار، وتيسير الولوج إلى التمويلات لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ودعم الابتكار والتصنيع والتصدير.
وعلى المستوى الخارجي، أبرز الخطاب الملكي المكانة التي بات يحتلها المغرب كفاعل دولي موثوق وشريك استراتيجي يحظى بالاحترام، بفضل تنويع شراكاته الدولية واعتماد مقاربة تقوم على المصالح المتبادلة والتعاون المتوازن، وهو ما عزز حضور المملكة في القضايا الإقليمية والدولية.
وإذ يتطلع المغرب إلى مرحلة جديدة بعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، فإن جلالة الملك رسم ملامح دورة تنموية جديدة عنوانها تحصين المكتسبات، وتسريع وتيرة الإصلاحات، ومواصلة الأوراش الكبرى، بما يضمن استدامة النمو، وتعزيز السيادة الوطنية، والارتقاء بجودة حياة المواطنين.
إن قراءة حصيلة سبعة وعشرين عاما من حكم صاحب الجلالة الملك محمد السادس تكشف أن المملكة لم تعتمد منطق الإنجاز الظرفي، بل اختارت بناء نموذج تنموي يقوم على التخطيط الاستراتيجي والاستمرارية وتكامل السياسات العمومية. فمن الموانئ والطرق السيارة والقطارات فائقة السرعة، إلى الطاقات المتجددة، والأمن المائي، والصناعة المتقدمة، والحماية الاجتماعية، تشكلت معالم مغرب جديد استطاع أن يرسخ حضوره قاريا ودوليا، وأن يعزز ثقته في المستقبل.
وفي عيد العرش المجيد، تتجدد قناعة المغاربة بأن ما تحقق ليس نهاية مسار، بل محطة ضمن مشروع وطني متواصل، يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، برؤية تستشرف المستقبل، وتجعل من التنمية خيارا استراتيجيا دائما، ومن الاستثمار في الإنسان والمؤسسات والبنية التحتية أساسا لبناء مغرب أكثر قوة، وأكثر تنافسية، وأكثر ازدهارا.





