
مديحة المهادنة
خبر_اعتبر الدكتور محمد حبيب، الباحث في علم النفس الاجتماعي، أن ما عرفه شمال المغرب خلال الأيام الأخيرة من تزايد لمحاولات الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة لا يمكن اختزاله في مجرد ارتفاع في عدد محاولات العبور، بل يمثل واقعة اجتماعية مركبة تستوجب قراءة أعمق، لأنها تكشف عن طبيعة العلاقة التي أصبح جزء من الشباب ينسجها مع المستقبل، والانتماء، وإمكانية تحقيق الذات داخل المجتمع.
وأوضح الباحث، في تصريح خص به “إعلام تيفي“، أن تفسير الظاهرة بمنطق الفقر وحده لم يعد كافياً، مشدداً على أن الهجرة أصبحت في كثير من الحالات هروباً من وضع نفسي واجتماعي أكثر من كونها بحثاً عن مكان جغرافي آخر.
وأضاف أن مظهر الشاب أو امتلاكه لهاتف ذكي أو ملابس جيدة أو حتى بعض مظاهر الرفاه الظاهري، لا يمكن أن يكون دليلاً على غياب المعاناة أو انتفاء الدوافع نحو الهجرة، لأن قرار المجازفة بالحياة لا يرتبط بصورة الشخص الخارجية، وإنما يتشكل نتيجة تداخل عوامل متعددة، من بينها البطالة، وانسداد الأفق، والشعور بعدم التقدير، وضعف الإحساس بإمكانية الارتقاء الاجتماعي، والاعتقاد بأن الجهد المبذول لا يقود بالضرورة إلى نتائج عادلة.
وأكد أن الإنسان يستطيع تحمل الحرمان لفترات طويلة عندما يؤمن بأن وضعه مؤقت وأن مستقبله قابل للتحسن، غير أن هذا الاستعداد يتراجع عندما يشعر بأن الزمن يمر بينما يبقى موقعه الاجتماعي ثابتاً، لتتحول الهجرة، في هذه الحالة، من مشروع اقتصادي عقلاني إلى محاولة لاستعادة السيطرة على المصير الشخصي.
وانتقل الباحث إلى مفهوم “الحرمان النسبي”، معتبرا أنه من أخطر العوامل النفسية التي تغذي الرغبة في الهجرة. فالمشكلة، بحسبه، ليست دائماً في مقدار ما يملكه الشاب، بل في المقارنة المستمرة بين حياته وما يراه يومياً على المنصات الرقمية من أنماط للنجاح والسفر والاستهلاك والرفاه. ولم يعد مجال المقارنة يقتصر على الحي أو المدينة، بل اتسع ليشمل العالم بأسره، الأمر الذي يعمق الشعور بالتأخر، حتى لدى من لا يعيشون فقراً مدقعاً.
وأشار إلى أن الدراسات في علم النفس الاجتماعي بينت أن الإحساس بالتهميش الاجتماعي، أكثر من مستوى الدخل في حد ذاته، يعد من أبرز العوامل المرتبطة بارتفاع نية الهجرة، لأن الفرد يقيس موقعه مقارنة بمن يعتبرهم مرجعاً له، وليس فقط انطلاقاً من دخله أو ظروفه المعيشية.
وفي قراءته للمشاهد التي عرفتها مدن الشمال، أوضح الدكتور محمد حبيب أن قرار العبور لا يبقى قرارا فرديا عندما يتشكل داخل الحشود، بل يتحول إلى عدوى جماعية تغير إدراك الشباب للمخاطر. فحين يشاهد الفرد عشرات الأشخاص يقدمون على السلوك نفسه، تتراجع لديه رهبة الخطر بفعل ما يسمى في علم النفس بـ”البرهان الاجتماعي”، حيث يصبح الإقبال الجماعي على الفعل دليلاً ضمنياً على إمكانية نجاحه.
وأضاف أن الإحساس بالخطر يضعف أيضا بسبب ما يعرف بـ”توزيع المسؤولية” داخل المجموعة، إلى جانب انتقال الحماس والانفعال بين الأفراد بسرعة تفوق انتقال التفكير العقلاني، وهو ما يجعل بعض الشباب يقدمون على سلوك ربما لم يكونوا ليقدموا عليه لو كانوا بمفردهم.
وتوقف الباحث كذلك عند الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لشباب وصلوا إلى الضفة الأخرى وهم يبتسمون أو يرفعون علامة النصر، معتبراً أنها تساهم في صناعة رواية بصرية مضللة عن الهجرة. فالكاميرا، كما يقول، تنقل غالبا من نجح في الوصول، لكنها لا توثق من عاد خائباً، أو أصيب، أو اعتقل، أو فقد حياته خلال المحاولة.
ويرى أن هذا ما يعرف في علم النفس بـ”انحياز الناجين”، حيث يركز الرأي العام على قصص النجاح، بينما تختفي قصص الفشل والمآسي، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى التقليل من حجم المخاطر في الوعي الجماعي، ويحول الهجرة لدى بعض الشباب إلى تحدٍّ يمكن تجاوزه، بل إلى وسيلة لاكتساب الاعتراف الاجتماعي على المنصات الرقمية.
وأشار أيضاً إلى أن بعض الشباب لا يبحث بالضرورة عن العيش في إسبانيا بقدر ما يحاول الهروب من هوية اجتماعية يشعر أنها مفروضة عليه؛ هوية الشخص العاطل، أو غير القادر على الاستقلال أو تحقيق مشروعه الشخصي. ومن هذا المنطلق، يصبح الانتقال الجغرافي وعداً بانتقال رمزي من التهميش إلى الاعتراف، ومن الانتظار إلى الإحساس بالقدرة على التحكم في المصير.
واعتبر الباحث أن الظاهرة تكشف في العمق عن ثلاثة اختلالات رئيسية؛ أولها تراجع الثقة في المستقبل، وثانيها ضعف قدرة مؤسسات التنشئة، من مدرسة وأسرة وسياسات شبابية، على تحويل القلق إلى مشاريع وأمل، وثالثها تراجع شعور الشباب بقدرتهم على التأثير في مسار حياتهم، ما يجعل قرار العبور، رغم خطورته، يبدو بالنسبة إلى بعضهم وسيلة لاستعادة الإحساس بالفاعلية.
وفي المقابل، شدد الدكتور محمد حبيب على أنه لا يمكن اختزال موجة الهجرة الأخيرة في سبب واحد، مؤكداً أن انتشار الصور على شبكات التواصل الاجتماعي، وما يروج بشأن الإجراءات الإسبانية، والضغوط الاقتصادية والنفسية، جميعها عوامل قد تتداخل في تفسير الظاهرة، بينما يبقى أي تفسير أحادي، سواء كان سياسياً أو أمنياً، بحاجة إلى أدلة مستقلة.
كما سجل أن بعض المقتضيات القانونية المعمول بها في إسبانيا، خصوصاً تلك المتعلقة بالتعامل مع القاصرين غير المرفوقين وإيوائهم داخل مؤسسات الرعاية قبل تسوية أوضاعهم القانونية، قد تُفهم لدى بعض الشباب وشبكات الهجرة باعتبارها عاملاً مشجعاً على محاولة العبور، وهو ما يستوجب، بحسبه، معالجة مشتركة بين البلدين.
وفي ختام تصريحه، أكد الباحث أن المقاربة الأمنية تظل ضرورية لحماية الأرواح وحفظ النظام العام، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الظاهرة، لأن التدخل الأمني يتعامل مع لحظة العبور، بينما تكمن جذور المشكلة في عوامل اجتماعية ونفسية أعمق. وشدد على أن توفير فرص الشغل، رغم أهميته، ينبغي أن يواكبه تعزيز العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، واستعادة ثقة الشباب في المستقبل، حتى لا تتحول الهجرة إلى الخيار الوحيد في نظر جزء منهم





