
أميمة حدري
كشف تقرير استخباراتي إسباني أن المنصات الرقمية لعبت دورا محوريا في تهيئة الظروف التي سبقت موجة تدفق المهاجرين غير النظاميين نحو مدينة سبتة المحتلة، من خلال حملة إلكترونية واسعة النطاق اعتمدت على شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري لتبادل المعلومات والتنسيق بين الراغبين في العبور، في ما وصفه معدو التقرير بـ “منظومة رقمية موزعة ساهمت في تعبئة آلاف الأشخاص خلال فترة وجيزة.
وأعد التقرير الخبير الإسباني المتخصص في الأمن والإرهاب الدولي، خوسيه ماريا خيل غاري، المعروف باسم “تشيما خيل”، بتكليف من عدد من المؤسسات الإسبانية، بعد عملية رصد امتدت لعدة أسابيع وانتهت يوم الأحد 2 غشت الجاري، حيث خلص إلى أن النشاط الرقمي المرتبط بمدينة سبتة بدأ يتصاعد تدريجيا منذ الأيام الأولى من شهر يوليوز، قبل أن يشهد ارتفاعا ملحوظا عقب الإعلان عن حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية يتعلق بالنظام القانوني المطبق على الأشخاص الذين يدخلون المدينة عبر البحر.
وسجل التقرير استمرار تصاعد المنشورات ومقاطع الفيديو والرسائل المتداولة بشأن سبتة خلال الأسابيع اللاحقة، قبل أن تبلغ ذروتها في الأيام التي سبقت مباشرة احتفالات عيد العرش بالمغرب، وهو ما اعتبره معدو التقرير مؤشرا على وجود تعبئة رقمية مكثفة تزامنت مع تصاعد محاولات الهجرة غير النظامية نحو المدينة.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، فقد تجاوز حجم التفاعل المحتمل مع المحتوى الرقمي المتداول 11 مليون مشاهدة وتفاعل، وهي حصيلة جرى احتسابها بالاستناد إلى مشاهدات المحتوى السمعي البصري، وعدد أعضاء المجموعات الرقمية، إضافة إلى المنشورات والتعليقات والتفاعلات التي تم رصدها خلال فترة التحليل، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، الانتشار الواسع الذي حققته الرسائل المتداولة عبر مختلف المنصات الرقمية.
ورصد التقرير وجود مجموعة عامة على تطبيق “واتساب” تحمل اسم “هجمة كراج سبتة”، كانت تدار من رقم يحمل المفتاح الهاتفي الجزائري (+213)، وتضمنت، بحسب الوثيقة، تعليمات تفصيلية بشأن توقيت التحرك، ونقاط التجمع، والمعدات الموصى بها، إضافة إلى معلومات مرتبطة بظروف الرحلة.
كما وثق وجود مجموعة على موقع “فيسبوك” تحت اسم “حراكة سبتة”، ضمت أكثر من 20 ألف عضو، وشهدت تداول مقاطع من خرائط “غوغل” لقياس مسافات السباحة، إلى جانب نصائح للتجهيز، ومنشورات تضمنت دعوات لجمع تبرعات من أجل اقتناء زورق “كاياك”.
كما أشار التقرير إلى أن منصتي “تيك توك” و”إنستغرام” لعبتا بدورهما دورا في الحفاظ على زخم الحملة الرقمية، عبر نشر محتوى مرئي بشكل مكثف، بما أسهم في توسيع دائرة الانتشار واستمرار تداول المعلومات المتعلقة بمحاولات العبور بين أعداد كبيرة من المستخدمين.
وخلص التحليل إلى أن الحملة لم تعتمد على قيادة مركزية موحدة، بل قامت على أدوار متكاملة بين عدد من الفاعلين الرقميين، حيث تكفلت بعض الحسابات بإنتاج المحتوى ونشر الفيديوهات والرسائل، بينما اضطلعت حسابات أخرى بإعادة توزيع المحتوى عبر منصات مختلفة لتوسيع نطاق وصوله، في حين تولت مجموعات المراسلة مهمة التنسيق اللوجستي وتبادل المعلومات العملية المرتبطة بالطرق، والمواعيد، ونقاط الالتقاء، ومستجدات الوضع على الحدود.
وفي سياق المقارنة، استحضر التقرير واقعة مشابهة شهدها شهر شتنبر من سنة 2024، حين أدى انتشار مقطع فيديو على منصة “تيك توك” يدعو إلى عبور جماعي نحو سبتة، وحقق آنذاك نحو 500 ألف مشاهدة، إلى توقيف السلطات المغربية لأكثر من 4455 شخصا خلال أسبوع واحد، وهو ما اعتبره معدو التقرير مؤشرا مبكرا على تأثير المنصات الرقمية في تحريك محاولات الهجرة غير النظامية.
ويرى متخصصون، وفق ما أورده التقرير، أن الأرقام المسجلة خلال حملة سنة 2026، والتي تجاوزت 11 مليون تفاعل محتمل، تعكس تحولا نوعيا في توظيف الفضاء الرقمي للتأثير في تدفقات الهجرة غير النظامية نحو الحدود المغربية الإسبانية، بما يفرض تحديات جديدة أمام السلطات في ما يتعلق برصد المحتوى الرقمي والتعامل مع الحملات الإلكترونية المرتبطة بظاهرة الهجرة.





