
أميمة حدري
أعادت أحداث العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة النقاش إلى الواجهة حول الدوافع الحقيقية التي تدفع أعدادا متزايدة من الشباب إلى المجازفة بحياتهم في سبيل الهجرة غير النظامية، في وقت تتجاوز فيه هذه الظاهرة التفسيرات الأمنية والسياسية التقليدية لتطرح أسئلة أعمق ترتبط بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي يعيشها الشباب، وبعلاقتهم بالمستقبل وآفاق الاندماج داخل مجتمعهم.
الهجرة.. تعبير عن أزمة الثقة في المستقبل أم بحث عن فرصة جديدة؟
وفي هذا السياق، يرى عبد الجبار شكري، عالم النفس وعالم الاجتماع، أن أحداث العبور الجماعي التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني أو السياسي، بقدر ما تستدعي مقاربة سوسيولوجية تنظر إليها باعتبارها ظاهرة اجتماعية مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية ورقمية، مؤكدا أن من الخطأ افتراض أن جميع الشباب الذين شاركوا في محاولات العبور تحركوا للأسباب نفسها، لأن الهجرة غير النظامية غالبا ما تكون نتيجة تفاعل معقد بين عوامل بنيوية وعائلية وفردية ورمزية.
وأوضح شكري، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن علم الاجتماع يقرأ المشاركة الجماعية لأعداد كبيرة من الشباب في محاولات العبور نحو سبتة باعتبارها تعبيرا عن أزمة عميقة في العلاقة بين الشباب والمستقبل، وليس مجرد رغبة في مغادرة الوطن. فالشاب الذي يلاحظ أن التعليم لم يعد يضمن الحصول على فرصة عمل، وأن الولوج إلى وظيفة مستقرة أصبح أكثر صعوبة، وأن إمكانات الارتقاء الاجتماعي تسير بوتيرة بطيئة أو تبدو غير مضمونة، يبدأ في البحث عن بدائل خارج المجال الاجتماعي الذي يعيش فيه.
ومن هذا المنطلق، يتحول العبور نحو سبتة، وفق المتحدث، إلى رمز يتجاوز مجرد الانتقال الجغرافي، ليصبح في المخيال الاجتماعي انتقالا من وضعية إلى أخرى، ومن الإحساس بالعجز إلى محاولة استعادة الفعل، ومن الانتظار إلى المغامرة.
وأشار إلى أن معطيات حديثة صادرة عن منظمة العمل الدولية تساعد على فهم الخلفية البنيوية لهذه الظاهرة، إذ تؤكد أن انتقال الشباب في المغرب إلى سوق الشغل ما يزال يصطدم بضعف خلق فرص العمل، واتساع دائرة العمل غير المهيكل، وعدم تطابق المهارات مع حاجيات السوق، فضلا عن وجود نحو ثلث الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج العمل والتعليم والتكوين.
ويرى أن هذه المعطيات تبرز أن الهجرة غير النظامية ليست دائما تعبيرا عن رغبة في مغادرة الوطن، بل قد تتحول إلى شكل من أشكال الاحتجاج الصامت على واقع اجتماعي يشعر فيه الفرد بأن مستقبله لم يعد يتشكل داخل مجتمعه.
وبخصوص العوامل الاجتماعية التي تجعل بعض الشباب أكثر استعدادا للمخاطرة بحياتهم من أجل الهجرة، شدد شكري على ضرورة عدم اختزال الظاهرة في الفقر وحده، موضحا أن البطالة والهشاشة المهنية تمثلان أحد أبرز هذه العوامل، لأن الشاب الذي يبذل جهدا في الدراسة أو التكوين ثم يجد نفسه في مواجهة البطالة أو العمل الهش يعيش ما وصفه بـ”انكسار العلاقة بين الجهد والنتيجة”.
وأضاف المحلل النفسي أن الشباب المغربي أصبح أكثر تعليما مقارنة بالأجيال السابقة، غير أن ذلك لا يضمن اندماجه في سوق الشغل، وهو ما تؤكده نتائج استطلاع “أفروباروميتر”، الذي أظهر أن الشباب يعتبرون عدم ملاءمة التعليم مع متطلبات سوق العمل ونقص الخبرة من أبرز العوائق التي تحول دون التوظيف.
واعتبر أن المقارنة الاجتماعية أصبحت عاملا مؤثرا في تشكيل قرار الهجرة، إذ لم يعد الشاب يقارن وضعه بمن يعيشون في محيطه فقط، وإنما أيضا بأشخاص يقيمون في أوروبا ويتابع تفاصيل حياتهم اليومية عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي.
كما أن ضعف الإحساس بالانتماء الاجتماعي، حين يشعر الشاب بأن المجتمع لا يعترف بقدراته ولا يمنحه المكانة التي يطمح إليها، قد يدفعه إلى البحث عن الاعتراف خارج وطنه. وإلى جانب ذلك، يبرز ضغط الأقران بوصفه عاملا مهما، إذ تتحول الهجرة، عندما تصبح موضوعا متداولا باستمرار داخل الأحياء وبين الأصدقاء وعلى المنصات الرقمية، من قرار فردي إلى سلوك جماعي مطبع داخل المحيط الاجتماعي.
وأشار المتحدث إلى أن الرغبة في الاستقلال تمثل بدورها دافعا مهما لدى عدد من الشباب، لأن أوروبا لا ترتبط في مخيلتهم فقط بتحقيق دخل أفضل، وإنما أيضا ببناء حياة مستقلة، واتخاذ القرار بحرية، وتشكيل هوية جديدة. ومن ثم، فإن الاستعداد للمخاطرة يرتفع عندما تتقاطع المخاطر الخارجية مع شعور متزايد بأن البقاء داخل الواقع الحالي لم يعد يوفر الحد الأدنى من الضمانات المتعلقة بالمستقبل.
وفي قراءته للعلاقة بين محاولات الهجرة غير النظامية والإقصاء الاجتماعي، أوضح المعالج النفسي الإكلينيكي، أن الارتباط بينهما قائم، لكنه لا يعني أن كل مهاجر غير نظامي يعيش حالة إقصاء مطلق، مفضلا استعمال مفهوم “الإقصاء النسبي”، الذي يعني أن الشخص يعيش داخل المجتمع، لكنه يشعر بأنه لا يمتلك الوسائل التي تمكنه من الاستفادة من الفرص التي يعتبرها المجتمع ضرورية للاندماج وتحقيق الذات.
وأبرز أن المفارقة تكمن في أن ارتفاع مستوى التطلعات دون أن يقابله ارتفاع مماثل في الفرص قد يؤدي إلى تفاقم الإحباط، خاصة لدى الشباب المتعلمين الذين يمتلكون طموحات كبيرة، لكنهم يعجزون عن الحصول على عمل مناسب أو مستقر. مضيفا أن عددا من الدراسات المتعلقة بسياسات الشباب في المغرب ربطت بين البطالة وظروف العمل الهشة والفقر والإقصاء الاجتماعي، وبين تأثير هذه العوامل في استقلالية الشباب ونموهم الشخصي.
وفي هذا السياق، استحضر شكري مفهوم “انسداد الأفق الاجتماعي”، موضحا أنه لا يعني بالضرورة أن المستقبل مغلق فعليا، وإنما أن الشاب يدركه باعتباره مغلقا، وهو ما يجعل هذا الإدراك أكثر تأثيرا في سلوكه من الواقع الموضوعي نفسه. وعند هذه المرحلة، تتحول الهجرة إلى محاولة لاستعادة الإحساس بالقدرة على الفعل، فيختار الشاب تغيير مكانه بدل انتظار تغير ظروفه.
البطالة والإقصاء الاجتماعي وضغط المحيط
وفي ما يتعلق بدور الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، أكد عالم النفس وعالم الاجتماع أن هذه المؤسسات لا تستطيع وحدها معالجة الظاهرة، لأن جزءا كبيرا من أسبابها يرتبط ببنية سوق العمل والفرص الاجتماعية المتاحة. موضحا أن الأسرة يمكن أن تشكل شبكة حماية نفسية واجتماعية، لكنها قد تتحول أحيانا إلى مصدر ضغط عندما تربط قيمة الشاب بقدرته على الحصول على وظيفة وتأمين دخل وإعالة أسرته، داعيا إلى الانتقال من خطاب يقوم على التساؤل المستمر حول موعد الحصول على العمل إلى خطاب يشجع الشباب على بناء مشاريعهم الخاصة واستثمار قدراتهم.
أما المدرسة، فيرى أنها لا تواجه أزمة تعليم فقط، وإنما أزمة في العلاقة بين التعليم والحياة العملية، لأن حصول الشاب على شهادة دون اكتساب مهارات عملية أو توجيه مهني واضح أو تصور واقعي للمستقبل يجعل المؤسسة التعليمية عاجزة عن أداء وظيفتها في الإدماج المهني والاجتماعي. معتبرا أن المحيط الاجتماعي، بما يشمله من أحياء وجمعيات وأندية رياضية وثقافية ومؤسسات للشباب والتكوين المهني، قادر على منح الشباب شعورا بأنهم أعضاء فاعلون داخل المجتمع، وهو عنصر أساسي في الوقاية من الانجذاب نحو الهجرة غير النظامية.
ولفت إلى أن المعطيات الحالية تشير إلى استمرار اختلالات بنيوية في الانتقال من التعليم إلى سوق الشغل بالمغرب، أبرزها ضعف خلق الوظائف وعدم ملاءمة المهارات مع حاجيات السوق، وهو ما يجعل الوقاية الاجتماعية غير ممكنة عبر الخطابات التوعوية وحدها، مؤكدا أن أفضل وسيلة للحد من الهجرة غير النظامية لا تتمثل في إقناع الشباب بأن أوروبا ليست كما يتصورون، وإنما في جعل مستقبلهم داخل وطنهم قابلا للتصور وواقعيا.
وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة حلم أوروبا
وتوقف شكري عند تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرا أنها تلعب دورا محوريا في تشكيل صورة مثالية عن الحياة خارج الوطن، لأنها تقدم للشباب أوروبا في صورة منتقاة ومفلترة تبرز السيارات الفاخرة والشقق الجميلة والملابس الباهظة والمطاعم والسفر وفرص العمل والتحويلات المالية والاستقلال الشخصي، بينما تغيب عنها في كثير من الأحيان ساعات العمل الطويلة، والبطالة، وصعوبة السكن، والعنصرية أو التمييز، وتعقيدات الحصول على وضع قانوني، والوحدة، والديون، وخطر الترحيل، والضغوط النفسية المصاحبة للهجرة.
وأوضح أن هذه المنصات لا تكتفي بعرض الحلم، بل تعمل أيضا على تطبيعه داخل الوعي الجماعي، إذ يتحول السؤال لدى الشاب تدريجيا من “هل يمكن أن أهاجر؟” إلى “لماذا لم أهاجر أنا بعد؟”، وهو انتقال سوسيولوجي يعكس تحول الرغبة الفردية إلى ضغط جماعي.
وأضاف أن الدراسات المتعلقة بالخطاب الرقمي حول الهجرة تؤكد أن المعلومات والصور المرتبطة بأوروبا تنتشر عبر شبكات عابرة للحدود، وأن جزءا كبيرا من هذا المحتوى ينتج داخل أوروبا ثم يعاد تضخيمه خارجها، بما يساهم في تعزيز الرغبة في الهجرة وتقليص الإحساس بالمخاطر عندما تكون التجارب المعروضة انتقائية.
وخلص عبد الجبار شكري إلى أن أحداث سبتة يمكن فهمها باعتبارها نتيجة تفاعل سلسلة مترابطة من العوامل، تشمل الهشاشة الاقتصادية والمهنية، وتراجع الثقة في المستقبل، والإحساس بالإقصاء أو انسداد الأفق، والمقارنة الاجتماعية مع أوروبا، وتشكيل صورة مثالية عن الحياة في الخارج، وتأثير الأصدقاء والشبكات الاجتماعية، وانخفاض تقدير المخاطر أمام قوة الأمل، وصولا إلى الانتقال من مجرد التفكير في الهجرة إلى محاولة تنفيذها.
وأكد أن الشاب الذي يخاطر بحياته ليس بالضرورة شخصا لا يقدر قيمة حياته، بل قد يكون شخصا أصبحت قيمة المستقبل بالنسبة إليه أكبر من قيمة الحياة التي يعرضها للخطر في الحاضر. مشددا على أن معالجة الظاهرة من جذورها تقتضي الانتقال من سؤال “كيف نمنع الشباب من الهجرة؟” إلى سؤال أكثر عمقا يتمثل في “ما الذي يجعل بعض الشباب يصلون إلى مرحلة يشعرون فيها بأن المخاطرة بحياتهم أقل سوءا من الاستمرار في واقعهم الحالي؟”، معتبرا أن هذا التحول ينقل النقاش من المقاربة الأمنية إلى المقاربة السوسيولوجية، ومن التركيز على منع العبور إلى فهم دوافعه ومعالجة الشروط الاجتماعية التي تنتجه.





