ميزانية 2027 بشعار شد الحزام.. ترشيد يبدأ من جيوب المغاربة أم من نفقات الحكومة ؟

مديحة المهادنة

خبر_دخلت الحكومة مرحلة إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحت شعار صارم عنوانه تقليص النفقات وتعزيز موارد الدولة، في خطوة تكشف حجم الضغوط التي تواجه المالية العمومية، وسط تضخم كلفة الأوراش الاجتماعية والاستثمارات الكبرى وتزايد الالتزامات الملقاة على الميزانية. ووجّه رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، مختلف القطاعات الوزارية إلى تشديد الرقابة على الإنفاق واعتماد تدبير أكثر صرامة للموارد المالية والبشرية، بما يوحي بأن السنة المقبلة ستخضع لمنطق مالي شديد التحفظ. 

ولم تتوقف تعليمات الترشيد عند الدعوات العامة، بل امتدت إلى تقييد إحداث المناصب المالية الجديدة، التي لن يُسمح بها إلا في حالات الضرورة القصوى والمبررة، مقابل إعطاء الأولوية لإعادة توزيع الموظفين داخل الإدارات. كما طالبت الحكومة بخفض مصاريف السيارات والمحروقات والصيانة والكراء والاستقبالات والندوات، وتقليص اللجوء إلى الفنادق، مع اعتماد القاعات والتجهيزات العمومية كلما كان ذلك ممكناً. 

هذه التوجيهات تعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل يتكرر مع كل حديث حكومي عن عقلنة الإنفاق: هل يتعلق الأمر بإصلاح فعلي يضرب منابع التبذير، أم بضغط ميزانياتي قد ينعكس على جودة المرافق العمومية والتوظيف والخدمات المقدمة للمواطنين؟ فتجميد المناصب أو الحد منها قد يحسن الأرقام المحاسباتية مؤقتاً، لكنه قد يزيد في المقابل من حدة الخصاص داخل قطاعات تعاني أصلاً ضغطاً بشرياً متزايداً، خصوصاً التعليم والصحة والإدارة الترابية.

وعلى مستوى الاستثمار، دعت المذكرة إلى إعطاء الأولوية للمشاريع الموجودة قيد الإنجاز، وفي مقدمتها الأوراش الملكية والاتفاقيات الموقعة أمام الملك محمد السادس، مع تفادي رصد الاعتمادات لمشاريع لم تُسوَّ بعد أوضاعها القانونية والعقارية. ويعكس هذا التوجه محاولة لإنهاء ظاهرة المشاريع المتعثرة والاعتمادات المجمدة، لكنه يضع الحكومة أيضاً أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على مساءلة المسؤولين عن التأخير، بدل الاكتفاء بإعادة ترتيب الأولويات على الورق. 

وبينما تراهن الحكومة على مواصلة تنزيل الدولة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية وتمويل الاستثمارات، فإن الدعوة المتجددة إلى تعزيز موارد الدولة تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مصادر هذه الموارد وحدود اللجوء إلى الجبايات والرسوم. فنجاح ميزانية 2027 لن يقاس فقط بقدرتها على ضبط العجز وحماية التوازنات المالية، بل بمدى ضمانها ألا يتحول ترشيد الإنفاق إلى تقشف مقنّع يدفع ثمنه المواطن والخدمة العمومية، فيما تبقى مظاهر الهدر والامتيازات خارج دائرة المحاسبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى