تحليل_ التباين السريع في معدلات البطالة في المغرب يثير نقاشا واسعا في الأوساط الاقتصادية والسياسية، فالتراجع الظاهري لمعدل البطالة من 13 في المائة حسب تقرير بنك المغرب إلى 9,5 في المائة حسب المندوبية السامية للتخطيط لا يعود إلى تحسن معجزة في ظرف أسبوعين، بل يرجع بالأساس إلى اختلاف الفترات الزمنية المرصودة واعتماد منهجية إحصائية جديدة وأكثر ضيقاً لتحديد من هو “العاطل عن العمل”.
رقم بنك المغرب (13 في المائة)، يغطي الحصيلة السنوية الكاملة لـسنة 2025، قدمه والي البنك في تقريره السنوي المرفوع للملك، ليعكس واقع سوق الشغل المتأثر بالجفاف خلال تلك السنة.
فيما يبقى رقم مندوبية التخطيط 9.5 في المائة يرصد حصراً الفصل الثاني من سنة 2026، يقارنه التقرير بالفصل الأول من نفس السنة (الذي سجل 10.8 في المائة)، وليس بأرقام السنة الماضية.
غيرت المندوبية السامية للتخطيط منهجيتها الإحصائية عبر إطلاق جيل جديد من البحوث تماشياً مع معايير منظمة العمل الدولية.يعتمد الحساب الجديد مفهوماً ضيقاً للبطالة يستبعد فئات كانت تُحتسب سابقاً ضمن العاطلين، لا يتم احتساب الأشخاص الذين توقفوا عن البحث النشط عن العمل أو الذين يمارسون أنشطة معيشية غير مهيكلة كعاطلين، مما يؤدي آلياً إلى خفض النسبة الرسمية. الجدل السياسي والاقتصادي حول الأرقام.
اعتبر اقتصاديون وبعض الهيئات السياسية المعارضة أن التغيير المفاجئ للمنهجية يشبه عملية تجميلية للأرقام (“Window Dressing”) لتخفيف الضغط الحكومي.
يرى منتقدون أن هذا الانخفاض الرقمي لا يترجم خلق فرص شغل حقيقية ومستدامة بالقدر الذي يعكس فيه تغييراً في معايير الفرز والاقصاء الإحصائي، بين “سراب الـ9.5 في المائة” و”واقع الـ13 في المائة”..
لغز الهبوط السريع لمعدل البطالة في المغرب في مفارقة إحصائية أثارت ذهول الفاعلين الاقتصاديين، انتقل معدل البطالة في المغرب، في ظرف أسابيع قليلة، من ذروة مقلقة بلغت 13 في المائة حسب التقرير السنوي لبنك المغرب، إلى نسبة متفائلة استقرت في 9.5 في المائة حسب المندوبية السامية للتخطيط.
هذا الهبوط العمودي المفاجئ يطرح تساؤلاً جوهرياً حول عمق الأزمة الهيكلية التي يعاني منها سوق الشغل، وما إذا كنا أمام معجزة اقتصادية خاطفة، أم مجرد هندسة حسابية جديدة لتجميل المؤشرات.
تكمن الإجابة عن هذا اللغز في تغيير المندوبية لمنهجيتها الإحصائية، واعتماد ما يُعرف بـ”المفهوم الضيق” للبطالة تماشياً مع معايير منظمة العمل الدولية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذا الانتقال لا يعكس خلق فرص شغل حقيقية في النسيج الإنتاجي، بل يعكس عملية غربلة إحصائية صارمة قامت باستبعاد مئات الآلاف من المغاربة من قائمة “العاطلين النشيطين” لمجرد أنهم توقفوا عن البحث الفعلي عن عمل نتيجة الإحباط، أو لأنهم يمارسون أنشطة معيشية هشة في القطاع غير المهيكل.
إن الخطر الحقيقي من وراء هذا التباين الرقمي يتجاوز الجدل السياسي إلى تهديد صدقية السياسات العمومية.
فبينما يقدم بنك المغرب صورة شمولية لواقع سنة 2025 المتأثرة بتوالي سنوات الجفاف وفقدان الآلاف لوظائفهم في العالم القروي، تعزل مندوبية التخطيط قراءتها في الفصل الثاني من سنة 2026، لتمنح الاقتصاد الوطني صك براءة مؤقت لا يترجمه الواقع المعيش للمواطن، ولا تعكسه مستويات القدرة الشرائية.
في النهاية، يظل حصر البطالة في خانة الـ9.5 في المائة مجرد قراءة رقمية على الورق.