
بشرى عطوشي
تحليل _ لم تعد بوزنيقة، خلال هذا الصيف، مجرد مدينة ساحلية تستقبل أفواجاً من المصطافين والعائلات والجالية المغربية المقيمة بالخارج، بل تحولت في أوقات الذروة إلى نموذج صارخ لمدينة تستقبل أكثر مما تحتمل بنيتها التحتية. فالاكتظاظ الذي تعرفه شوارعها ومداخلها لم يعد حالة استثنائية مرتبطة بأيام العطل، وإنما أصبح مؤشراً على اختلال أعمق يتعلق بالتخطيط الحضري وهندسة السير واستباق حاجيات مدينة تحولت، بحكم موقعها ومؤهلاتها، إلى وجهة سياحية وطنية بامتياز.
المفارقة أن بوزنيقة لا تفتقر إلى مقومات الجذب. فهي تقع بين محورين حضريين واقتصاديين كبيرين، وتتوفر على شريط ساحلي ومؤهلات سياحية جعلتها تستقطب أعداداً مهمة من السياح الداخليين وأفراد الجالية، خصوصاً خلال فصل الصيف. بل إن حجم الإقبال عليها يجعلها، من حيث الضغط السياحي الموسمي، قريبة في بعض مظاهرها من مدن ساحلية مثل مارتيل، وإن كانت المقارنة بين المدينتين تحتاج إلى مراعاة اختلاف حجمهما ووظائفهما الحضرية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تطورت هندسة المدينة بالسرعة نفسها التي تطور بها حجم الإقبال عليها؟ المشهد في الميدان يعطي انطباعاً معاكساً.
غياب هندسة استباقية
مداخل بوزنيقة تتحول في فترات الذروة إلى ما يشبه عنق الزجاجة، بينما تؤدي الأشغال وتحويلات السير، في بعض النقاط، إلى مزيد من الضغط على حركة العربات. ومع ارتفاع الكثافة المرورية، تصبح قواعد السير نفسها أكثر عرضة للاختراق، ليس بالضرورة بسبب غياب القانون، وإنما لأن بنية السير غير الملائمة تدفع بعض السائقين إلى البحث عن منافذ وحلول فردية لتجاوز الاختناق.
وهنا تصبح الفوضى المرورية نتيجة طبيعية لغياب هندسة استباقية قادرة على توقع حركة السير، وليس مجرد مشكلة سلوكية لدى السائقين.
والأخطر أن المشهد لا يتوقف عند السيارات الخاصة. فوجود شاحنات المقالع والعربات الثقيلة داخل المجال الحضري، خصوصاً في أوقات الذروة، يطرح سؤالاً مشروعاً حول تنظيم حركة النقل الثقيل داخل المدينة، ومدى احترام المواعيد والمسارات التي يفترض أن تحكم مرور هذا النوع من المركبات.
مدينة تستقبل المصطافين والجالية تحتاج إلى منظومة واضحة: مسارات محددة للشاحنات، توقيت مضبوط لدخول المركبات الثقيلة، تشوير فعال، مراقبة ميدانية مستمرة، ومخارج ومداخل قادرة على استيعاب الضغط الموسمي.
أما أن تتجاور حركة السياحة مع حركة الشاحنات الثقيلة في الوقت نفسه، ثم نطلب من السائقين والمواطنين وحدهم تحمل نتائج الاختناق، فذلك ليس تخطيطاً حضرياً، بل تدبير للأزمة بعد وقوعها.
إن المشكلة الحقيقية في بوزنيقة تتجاوز حفرة هنا أو اختناقاً هناك. إنها مشكلة تصور للمدينة نفسها.
مدينة سياحية أم ؟؟؟؟
هل بوزنيقة مدينة ساحلية عابرة يُسمح لبنيتها التحتية بأن تظل على إيقاع عقود مضت؟ أم أنها مدينة سياحية صاعدة تحتاج إلى مخطط حضري يستبق النمو ويضع حركة السير والمواقف والنقل والولوج إلى الشاطئ والربط بين الأحياء ضمن رؤية واحدة؟
فالمدن السياحية لا تُقاس فقط بعدد الفنادق والمطاعم والمقاهي والمشاريع العقارية، وإنما بقدرتها على استقبال الزائر دون أن يتحول وجوده إلى عبء على سكانها وعلى بنيتها التحتية.
ومن غير المقبول أن تستفيد المدينة من موقعها الجغرافي ومن تدفق السياحة الداخلية والجالية، بينما تظل شبكة الطرق والمداخل وحركة المرور تشتغل بمنطق رد الفعل.
والأكثر إثارة للانتباه هو أن بوزنيقة تقع ضمن المجال الترابي لعمالة بنسليمان، وهي عمالة تواجه بدورها تحديات مرتبطة بالنمو الحضري وتحديث البنيات والخدمات. وهو ما يجعل السؤال أوسع من حدود بوزنيقة: أين هو التصور الإقليمي المتكامل الذي يواكب التحولات العمرانية والسكانية والسياحية التي تعرفها المنطقة؟
المسؤولية هنا لا ينبغي اختزالها في رئيس جماعة أو منتخب أو مصلحة تقنية بعينها. عندما تتحول مشكلة المرور إلى ظاهرة موسمية متكررة، وتصبح مداخل مدينة سياحية نقطة اختناق معروفة، فإن الأمر يستدعي مساءلة منظومة التخطيط والتدبير الترابي برمتها.
وهنا تبرز مسؤولية وزارة الداخلية، ليس باعتبارها الجهة التي تقوم بتدبير كل شارع وكل تقاطع، وإنما باعتبارها صاحبة الاختصاص المركزي في منظومة الإدارة الترابية ومواكبة الجماعات وتنسيق السياسات المرتبطة بالتعمير والتنمية المحلية والسلامة الطرقية، إلى جانب مسؤولية الجماعة والسلطات الترابية والمصالح القطاعية المختصة.
بوزنيقة لا تحتاج إلى المزيد من الترقيعات الموسمية..تحتاج إلى رؤية
تحتاج إلى تشخيص حقيقي لحركة المرور خلال الصيف وخارجه، ودراسة لتدفقات السيارات والشاحنات، وإعادة هندسة المداخل والمخارج، وتحديد مسارات النقل الثقيل، وتوفير مواقف كافية، وتحسين التشوير، وإعادة توزيع حركة السير بما يتلاءم مع طبيعة مدينة يتضاعف الضغط عليها في مواسم معينة.
كما تحتاج إلى الانتقال من منطق “حل المشكل عندما يقع” إلى منطق “منع المشكل قبل وقوعه”.
فالسياحة ليست موسماً يُستنفد ثم ينتهي. والجالية ليست رقماً يظهر في يوليوز وغشت ثم يختفي. والمدينة التي استطاعت أن تفرض نفسها على خريطة السياحة الداخلية مطالبة اليوم بأن تفرض نفسها أيضاً على خريطة التخطيط الحضري العصري.
بوزنيقة لا ينقصها البحر، ولا الموقع، ولا الزوار، ولا الاستثمارات، ولا الرغبة في التطور، ما ينقصها هو أن تُعامل باعتبارها مدينة لها مستقبل، لا باعتبارها مجرد محطة صيفية.
استقبال الآلاف وعجز عن توفير شروط الاستقبال
وإذا كانت الدولة تراهن على تنمية السياحة الداخلية وعلى جعل المدن الساحلية أكثر جاذبية واستدامة، فإن بوزنيقة تستحق أن تكون ضمن المدن التي تخضع لإعادة نظر حقيقية في هندستها الطرقية وتدبيرها الحضري.
فلا يعقل أن تكون المدينة قادرة على استقبال آلاف الزوار، لكنها عاجزة عن استقبال سياراتهم وتنظيم حركتهم.
ولا يعقل أن يكون البحر مفتوحاً أمام الجميع، بينما تتحول طرق الوصول إليه إلى اختبار يومي لأعصاب المواطنين.
ولا يعقل أن تتحدث السياسات العمومية عن جاذبية المدن والاستثمار والسياحة، بينما تظل بعض المدن تحت رحمة اختناقات كان يمكن توقعها ومعالجتها قبل سنوات.
السؤال اليوم ليس: لماذا ازدحمت بوزنيقة هذا الصيف؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا لم تكن بوزنيقة مستعدة لهذا الازدحام، رغم أن صيفها يتكرر كل عام؟
وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية السياسة العمومية.





