
أميمة حدري
حمل جمال كريمي بنشقرون، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، مسؤولية اتساع مظاهر الهجرة الجماعية في اتجاه سبتة ومليلية المحتلتين إلى تراكمات اجتماعية واقتصادية وسياسية، معتبرا أن المشاهد التي ظهر فيها شباب ونساء ورجال وأطفال وهم يحاولون العبور نحو إسبانيا تعكس قبل كل شيء أزمة ثقة وانسدادا في الأفق أمام جزء من المجتمع المغربي، ولا سيما فئة الشباب.
الحكومة الحالية لا تتحمل وحدها مسؤولية الوضع القائم
وقال بنشقرون، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، إن الصور التي رافقت محاولات العبور شكلت مشهدا مؤلما، بالنظر إلى أن الأمر يتعلق بـ”خيرة ثروتنا الديمغرافية”، معتبرا أن خروج هذه الفئات بحثا عن مستقبل أفضل يكشف عن عجز السياسات العمومية عن إقناع الشباب بإمكانية بناء مستقبلهم داخل بلدهم، وعن توفير الشروط الضرورية للاستقرار والعمل وتحقيق الطموحات المشروعة.
وأوضح المتحدث أن ما جرى لا يمكن اختزاله في ظاهرة الهجرة باعتبارها انتقالا من مكان إلى آخر بحثا عن ظروف أفضل، وهي ظاهرة موجودة في مختلف دول العالم، وإنما تكمن الإشكالية، بحسبه، في الطريقة التي اتخذتها الأحداث وفي حجم الإقبال الجماعي على الهجرة، فضلا عن تزامنها مع فترة ذات رمزية وطنية، هي احتفالات المغاربة بالذكرى السابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس على العرش.
ويرى بنشقرون أن السؤال الأساسي الذي تطرحه هذه الأحداث يتعلق بقدرة الدولة والسياسات العمومية على تقديم إجابات مقنعة للشباب الذين يرون في الهجرة منفذا للخروج من واقع اقتصادي واجتماعي صعب، مشددا على أن معالجة الظاهرة تتطلب الانتقال من التعامل مع نتائجها إلى البحث في أسبابها العميقة.
وفي قراءته لخلفيات الأزمة، لم يحمل بنشقرون الحكومة الحالية وحدها مسؤولية الوضع القائم، بل اعتبر أن الأمر يرتبط بمسار طويل من السياسات العمومية التي تعاقبت عليها حكومات متعددة، في ظل تحولات ديمغرافية متسارعة وارتفاع حجم الفئة الشابة، مقابل عدم مواكبة هذه التحولات بسياسات قادرة على توفير فرص الشغل والاندماج والاستقرار.
وانتقد في هذا السياق ما وصفه بضعف التواصل السياسي وغياب خطاب قادر على مخاطبة المواطنين بوضوح، معتبرا أن الفاعل السياسي يفترض أن يؤدي أدوارا تتجاوز تدبير الانتخابات، لتشمل تأطير المجتمع، والاستماع إلى مشاكله، وتجميع المعطيات، وشرح الخيارات العمومية، والتواصل المباشر مع المواطنين.
وسجل أن هذا الدور أصبح، بحسب تقييمه، محدودا، مشيرا إلى أن الحكومة لم تخرج للتواصل بشأن أحداث الهجرة إلا بعد مرور أكثر من 48 ساعة، من خلال بلاغ للناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، متسائلا عن سبب غياب رئيس الحكومة والحكومة ككل عن واجهة التواصل، ومعتبرا أن حجم الأحداث كان يستدعي اجتماعا استثنائيا ومستعجلا لتقييم الوضع والتفاعل معه.
منطق الولاءات وتضارب المصالح واستغلال النفوذ السياسي
وربط عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية الأزمة أيضا بالوضع الاقتصادي، مستحضرا ما اعتبره ارتفاعا في البطالة وصعوبة ولوج الشباب إلى سوق الشغل، خصوصا حاملي الشهادات العليا والشباب في العالم القروي، فضلا عن محدودية فرص العمل وغياب الشفافية في بعض آليات الولوج إليها.
وانتقد ما وصفه بمنطق الولاءات وتضارب المصالح واستغلال النفوذ السياسي، معتبرا أن انتشار مثل هذه الممارسات يساهم في إضعاف الثقة في المؤسسات وفي تعميق الإحساس بالظلم الاجتماعي، وبالتالي في تغذية اليأس من إمكانية تحقيق الطموحات داخل البلاد.
وشدد بنشقرون على أن المخاطر التي أقدم عليها بعض الشباب خلال محاولات العبور تستوجب التعامل معها باعتبارها قضية إنسانية قبل أي شيء آخر، مستحضرا وفاة شباب خلال هذه المحاولات، ومترحما على الضحايا، ومتقدما بالتعازي إلى أسرهم، ومؤكدا أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد الضحايا، بل بضرورة حماية الحق في الحياة والعيش الكريم.
وبحسب المتحدث، فإن وضع الإنسان في قلب السياسات العمومية يقتضي إعادة النظر في عدد من الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، بدءا من محاربة الفوارق الاجتماعية، وضمان توزيع أكثر عدالة للثروة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وصولا إلى دعم الاستثمار المنتج وتوفير آليات تمويل ملائمة للشباب وحاملي المشاريع.
وانتقد بنشقرون صعوبة حصول أصحاب المشاريع الصغرى على التمويل، معتبرا أن السياسات الاقتصادية ينبغي أن تمنح هذه الفئة إمكانيات حقيقية للانطلاق، بدل تركيز التمويل على المشاريع الكبرى، محذرا مما وصفه بـ”الليبرالية المتوحشة” التي قد تؤدي إلى توسيع الفوارق بين الفئات الاجتماعية.
حجم الفجوة بين الطاقات البشرية المتاحة وبين قدرة الاقتصاد على إدماجها
وفي الجانب التعليمي، اعتبر أن الأزمة لا يمكن فصلها عن وضع المدرسة والجامعة، مؤكدا أن التعليم العمومي كان تاريخيا إحدى أهم آليات الحراك الاجتماعي، قبل أن يشهد، وفق تعبيره، تراجعات مرتبطة بتسليع التعليم والتوجه نحو القطاع الخاص.
كما اعتبر أن الجامعة المغربية مطالبة باستعادة موقعها كفضاء لإنتاج الفكر والنقاش وتكوين الأطر والكفاءات، منتقدا ما وصفه بتخرج أفواج من الطلبة دون آفاق واضحة، إلى جانب استمرار مشكلات الهدر المدرسي.
واستحضر المتحدث أرقاما وتقارير نسبها إلى منظمة اليونسكو والمندوبية السامية للتخطيط والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، للحديث عن الهدر المدرسي وتراجع مستوى معيش الأسر وتدهور قدرتها على الادخار والتحولات المرتبطة بالخصوبة والزواج، إضافة إلى وجود نحو ثلاثة ملايين شاب وشابة خارج منظومات التعليم والتكوين والشغل، معتبرا أن هذه المعطيات تكشف حجم الفجوة بين الطاقات البشرية المتاحة وبين قدرة الاقتصاد على إدماجها.
وربط بنشقرون الوضع كذلك بظروف العمل والأجور، داعيا إلى توفير وظائف تحفظ كرامة العاملين والعاملات وتضمن لهم مستوى مستقرا من العيش، وانتقد تشغيل الشباب بأجور هزيلة لا تتيح لهم بناء حياة مستقرة، معتبرا أن العدالة الأجرية والعدالة الاجتماعية والعدالة في توزيع الثروة تمثل عناصر أساسية في معالجة الاختلالات القائمة.
وتوقف المتحدث عند وضعية الطبقة الوسطى، التي قال إنها كانت تشكل إحدى ركائز التوازن الاجتماعي، لكنها تعرضت، بحسب قراءته، لضغوط متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وتكاليف التعليم والصحة وصعوبة تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وهو ما انعكس على حضورها الاجتماعي والسياسي.
الأحزاب تواجه اليوم أزمة ثقة ونفورا متزايدا من العمل السياسي
وفي الشق السياسي، دعا بنشقرون إلى جعل انتخابات شتنبر 2026 محطة للمشاركة واختيار الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية، معتبرا أن المواطن مطالب بالمشاركة في العملية الانتخابية وعدم ترك المجال أمام من وصفهم بـ”الكائنات الانتخابية” التي تستفيد من الفقر والتهميش والحرمان للوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
وانتقد عزوف عدد من الأطر والكفاءات عن التسجيل في اللوائح الانتخابية أو عن التصويت، معتبرا أن هذا الانسحاب يفرغ المجال السياسي من جزء من الطاقات القادرة على التأثير، ويترك المجال أمام شبكات انتخابية تستثمر في الهشاشة الاجتماعية.
وفي حديثه عن الأحزاب السياسية، اعتبر أن مسؤوليتها في تأطير المجتمع قائمة، لكنها تواجه اليوم أزمة ثقة ونفورا متزايدا من العمل السياسي، داعيا إلى إعادة الاعتبار للأحزاب باعتبارها مؤسسات دستورية يفترض أن تضطلع بوظيفة تأطير المواطنات والمواطنين وتعزيز التمثيلية السياسية الديمقراطية.
وانتقد في المقابل النظرة التي تساوي بين جميع الأحزاب، معتبرا أن هناك تنظيمات سياسية ذات تاريخ وتجربة، مقابل تنظيمات أخرى ساهم حضورها في ترسيخ صورة عامة لدى المواطنين مفادها أن الأحزاب جميعها متشابهة.
كما دعا إلى إعادة النظر في منظومة تمويل الأحزاب، معتبرا أن ربط جزء مهم من الدعم بنتائج الانتخابات وعدد الأصوات والمقاعد يدفع الأحزاب إلى التركيز على الفوز الانتخابي، على حساب وظيفة التأطير السياسي والتكوين المستمر.
وطالب، في هذا السياق، بمراجعة القوانين المنظمة للأحزاب والانتخابات، بما يسمح بتوجيه التمويل نحو العمل المؤسساتي والتنظيمي، ودعم الفروع المحلية والشبيبات الحزبية والأنشطة التأطيرية، حتى تتمكن الأحزاب من استعادة دورها كمدارس للتكوين السياسي.
وأشار إلى أن ضعف الإمكانيات المتاحة للشبيبات الحزبية يحد من قدرتها على استقطاب الشباب وتكوينهم، مؤكدا أن الحياة السياسية تحتاج إلى الاستثمار في الأجيال الجديدة بدل الاقتصار على الوجوه التي راكمت تجربة انتخابية وقدرة على الفوز بالمقاعد.
كما دعا إلى إشراك الشباب المغاربة المقيمين بالخارج والكفاءات التي اختارت الهجرة في الحياة السياسية الوطنية، معتبرا أن انخراط هذه الفئات في التنظيمات السياسية يمكن أن يساهم في تغييرها من الداخل، ورفع حضور الشباب والكفاءات في الترشيح والانتخابات ومواقع القرار.
وحذر بنشقرون من أن استمرار نزيف الهجرة قد يؤدي مستقبلا إلى خسارة جزء من الرصيد الديمغرافي الشاب، في وقت تستفيد فيه دول أوروبية من الكفاءات القادمة من الخارج، معتبرا أن المغرب سيكون مطالبا بالحفاظ على ثروته البشرية وتأمين شروط اندماجها داخل الاقتصاد والمجتمع.
وفي المقابل، دعا الشباب إلى عدم اعتبار الهجرة الطريق الوحيد لتحقيق الذات، مؤكدا أن التغيير، من وجهة نظره، ينبغي أن يمر عبر المشاركة السياسية والنضال الديمقراطي والسلمي والقانوني، باعتبارها أدوات للتأثير في السياسات العمومية والمطالبة بالحقوق.
وشدد بنشقرون كذلك على ضرورة تجديد الخطاب السياسي وتبسيطه، بما يسمح بالتواصل مع جيل جديد يعيش حضورا قويا في شبكات التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي، معتبرا أن الخطاب وحده لا يكفي، وأن المطلوب هو ربطه بممارسة فعلية تمنح الشباب فرصة المشاركة والترشح وتحمل المسؤولية.
وأكد أن تقوية الشبيبات الحزبية وتوفير الإمكانيات المادية والمعنوية لها، إلى جانب إصلاح التعليم والجامعة، تمثل شروطا أساسية لإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، مشيرا إلى أن الجامعة ينبغي أن تستعيد دورها في صناعة الفكر والكفاءات.
كما حمل الإعلام مسؤولية في مواكبة النقاش السياسي والمجتمعي، داعيا الإعلام العمومي إلى توفير برامج توعوية وتثقيفية وحوارية بشكل مستمر، وعدم الاقتصار على فترات الانتخابات والمناسبات السياسية.
وانتقد وضعية الإعلام الخاص والإعلام البديل، داعيا إلى مزيد من الاستقلالية والمهنية، ومعتبرا أن الإعلام القوي والمستقل يشكل إحدى ركائز الحياة الديمقراطية، قبل أن يتطرق إلى النقاش المرتبط بالمجلس الوطني للصحافة واللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير شؤون القطاع، وما يرتبط بذلك من أسئلة حول استقلالية الصحافة وحرية التعبير.
وخلص عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية إلى أن معالجة أزمة الهجرة وما تكشف عنه من اختلالات لا يمكن أن تكون مسؤولية الحكومة أو الأحزاب وحدها، بل تتطلب، بحسبه، انخراط مختلف المؤسسات والفاعلين السياسيين والمجتمع المدني والإعلام، إلى جانب إعادة بناء الثقة وتوسيع المشاركة السياسية والاجتماعية، بما يسمح بتحويل الثروة الديمغرافية الشابة من مصدر للقلق إلى رافعة للتنمية والتغيير.





