خريطة الرهانات بدائرة طنجة-أصيلة.. معركة “المقاعد الخمسة” بين الثبات والترحال السياسي

زكرياء الروضي

تعتبر دائرة طنجة أصيلة واحد من أهم الدوائر الانتخابية وأعقدها على الصعيد الوطني نظرا لما تحمله المدينة وإقليمها من ثقل وطني، فهي دائرة لا تعترف بالمسلمات السياسية، إذ تتداخل فيها القوة التنظيمية للأحزاب الوطنية بشبكات النفوذ المحلي المتمثلة في قوة الأعيان والذين يفرضون أمر الواقع.

ومع بداية إيداع لوائح الترشيح واستلام الوصولات النهائية تتكشف معالم منافسة شرسة بين المنتخبين على المقاعد الخمسة المؤدية إلى البرلمان لتمثيل عروس الشمال بمجلس النواب، ويحيلنا هذا التنافس على طرح أسئلة الرهانات الانتخابية ومدى قدرة التحركات السياسية وعلى رأسها “الترحال السياسي” على حسم المعركة الانتخابية.

بين الانتماء الحزبي والرهان على الخزان الفردي.. لمن الغلبة؟

تظهر الترشيحات الجديدة في قائمة وكلاء بعض اللوائح بشكل ملموس في الرهان على الأفراد (الأعيان) على سبيل المثال نجد محمد الزموري الذي شكل حضورا وازن في اقتراع 2021 بـ22.816 صوتا باسم الاتحاد الدستوري متصدرا المشهد، يخوض سباق الانتخابات القادمة بقميص الحركة الشعبية، في رهان واضح على كتلة أصواته وقاعدته الجماهيرية وشبكات علاقاته وامتداده العائلي والتجاري في الأحياء الشعبية والمحيط القروي.

بينما حزب الاستقلال نجده جدد الرهان على محمد الحمامي والذي يمتلك بدوره قاعدة جماهيرية واسعة بمقاطعة بني مكادة حيث حصل في الانتخابات السابقة على أكثر من 21 ألف صوت.

حزب الاتحاد الاشتراكي هو الآخر يجدد الثقة بتزكية عبد القادر الطاهر والذي كان قد انتزع أحد المقاعد في انتخابات 2021، حيث يراهن الحزب على قواعده العمالية والتنظيمية.

الأصالة والمعاصرة والأحرار دماء جديدة.. هل تفي بالغرض؟

يراهن هذه المرة حزب الأصالة والمعاصرة على مرشحه عبد اللطيف الغلبزوري أمينها الجهوي خلفا لعادل الدفوف الذي ترأس لائحة البام في انتخابات 2021.

وفي نفس السياق، ذهب الأحرار بعدما استبدلوا عمر مورو عمدة جهة طنجة بعبد الواحد بولعيش في الاستحقاقات المقبلة، إذ يعكس هذا التجديد رغبة الائتلاف الحكومي في تجنب الاحتقانات المحلية وتأمين التوازن عبر استغلال الآلة الحزبية ونفوذ المجالس الترابية المسيّرة.

ويبقى السؤال الأبرز يتصل بما إذا كان تنقل المنتخبين بين الأحزاب قادرا على تغيير موازين القوى فعليا؛ إذ يتضح من واقع المعطيات الانتخابية بالمنطقة، أن “الترحال السياسي” لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون مجرد إعادة تغليف للكتلة الصوتية ذاتها، حيث يرحل المرشح النافذ برصيد شبكات حشده المحلي وسكان الأحياء التابعة له أينما حل وارتحل، رغم ما يحمله هذا الانتقال من مخاطر تنظيمية قد تصطدم بقواعد الحزب المستقبِل وتفضي إلى عزوف داخلي أو تصويت عقابي.

وبعيدا عن هذه التبدلات الحزبية والاعتبارات الفردية، تظل المعركة الانتخابية مرتهنة بأربعة محددات رئيسية لحسم المقاعد؛ في مقدمتها الوزن الديمغرافي الحاسم لمقاطعتي بني مكادة ومغوغة باعتبار الأولى المخزن الانتخابي الأكبر بوزنها السكاني، إلى جانب الكتلة الصوتية بالقرى ومحيط أصيلة التي تضمن نسب مشاركة مرتفعة ترجح كفة الوجوه الكلاسيكية.

يضاف إلى ذلك القاسم الانتخابي المعتمد على المسجلين والذي يمنع الهيمنة الحزبية المباشرة ويفتح التنافس على المقعدين الرابع والخامس، فضلا عن أداء التحالف الثلاثي المسير للمجالس المنتخبة ومدى تأثير خدمات القرب على توجهات الناخبين.

وبناء على هذه المعطيات المركبة، تتشكل ملامح المشهد الانتخابي وفق سيناريوهات متعددة، أولها يكمن في إمكانية احتفاظ أحزاب التحالف الحكومي بمقاعدها الثلاثة استنادا إلى موارد الإدارة والآلة الحزبية، في مقابل سيناريو ثاني يجسد معركة محتدمة بين بقية التنظيمات السياسية على المقعدين المتبقيين، بينما يظل سيناريو المفاجأة الخاطفة رهينا بدرجة مشاركة الطبقة الوسطى بالحواضر الحضرية الصافية، لتظل دائرة طنجة-أصيلة صندوقاً مغلقاً يحمل مفاجآته حتى الساعات الأخيرة من فرز الأصوات، ومختبراً حقيقياً للتحولات السياسية بالمملكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى