مدونة أخلاقيات صارمة..القطعة التي تؤثت المشهد البرلماني

إعلام تيفي
أعدته: بشرى عطوشي
كانت رسالة الملك الموجهة إلى المشاركين في الندوة الوطنية لتخليد الذكرى الستين لتأسيس البرلمان منتخب في المملكة، والتي دعا من خلالها الى تخليق العمل البرلماني، ملزمة للبرلمانيين للتحرك بسرعة لوضع إطار قانوني ينظف الفضائح التي تهز المشهد البرلماني والتي أصبحت تقض مضجع الناخب المغربي.

ولا يعرف أحد لحدود الساعة كيف يمكن أن تكون هذه المدونة الأخلاقية، بحيث يجب أن تُستكمل هذه الأخيرة بقوانين أكثر صرامة وقادرة بالفعل على محاربة الفساد، وأولها وقبل كل شيء الإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح، اللذين أصبحا أمرين معتادين في القضايا القانونية لسياسيينا.
فبعد دعوة جلالة الملك محمد السادس في ال 17 من يناير الجاري البرلمانيين، إلى إضفاء الطابع الأخلاقي على الحياة البرلمانية من خلال اعتماد مدونة أخلاقيات ملزمة قانونا لغرفتي المؤسسة التشريعية، أصبح الأمر الآن متروك لكلا المجلسين للتصرف في المدونة، لمواجهة تزايد القضايا القانونية التي يتورط فيها مسؤولون منتخبون في جميع جهات المغرب.
وفي انتظار ما ستجود به قريحة النواب البرلمانيين بعد تحديد موعد أمس الإثنين 29 يناير 2024 لمناقشة محتوى المدونة، يرى بعض النواب البرلمانيين، ضرورة الإسراع بإخراج نص قابل للتنفيذ قبل فترة طويل من انتخابات 2026.
تطهير المشهد البرلماني؟؟
النزاهة، الموضوعية، الحياد، الاستقلال، الاجتهاد، والشفافية، كلها أمور تحتاج إلى تجنب تضارب المصالح، ومن المفترض أن يلتزم المسؤولون المنتخبون، الوطنيون والمحليون، بمدونة قواعد السلوك والأخلاق البرلمانية التي تندرج تلقائيا تحت ما يسمى ب (الجينوبوليتيك) لكل نائب، وهي دراسة تجمع بين الإرث السلوكي وعلم النفس والعلوم السياسية، إلا أنه يبدو أن مضمون هذه المدونة “يتعلق فقط بالمبادئ العامة للأخلاق والشفافية والاستقلالية، فالتحدي القائم الآن هو أن يجهز البرلماني نفسه لتطبيق هذه المبادئ حرفيا.
فالنائب البرلماني مطالب بخدمة المصلحة العامة، والتأكد من عدم استخدام قبعته البرلمانية لأغراض شخصية أو مهنية، ورفض أي اقتراح من شأنه أن يؤثر على حياده، لكن هذا المبدأ، الذي جعله دستور 2011 أولوية، لا يمكن تطبيقه بشكل صحيح إلا من خلال ضمان الشفافية التي يجب أن يدافع عنها البرلمانيون سواء من حيث الإصلاح التشريعي أو الرقابة الحكومية.
في مبدأ الشفافية …

فمن حيث الشفافية، فإن أي مسؤول منتخب “ملزم بالإعلان عن جميع أنشطته المهنية والولايات الانتخابية التي انتخب فيها والأصول التي يملكها أو تلك التي يملكها أبناؤه أو التي يديرها”، إضافة إلى الدخل الذي حصل عليه في السنة السابقة لسنة انتخابه، وذلك خلال 90 يوما قبل افتتاح المجلس التشريعي أو حصوله على صفة المنتخب أثناء الولاية، وكذلك في حالة انتهاء الولاية لأي سبب آخر غير الوفاة.
ففي السنوات الأخيرة، أظهرت السلطة التنفيذية نشاطاً معيناً فيما يتعلق بالشفافية، فالإطار العام للتصريح الإجباري بالممتلكات يهدف في الواقع إلى إضفاء الأخلاق على الحياة العامة وتكريس مبادئ المسؤولية والشفافية ووالنزاهة وحماية الأموال العامة. وتحقيقا لهذه الغاية، تم اعتماد مجموعة من التدابير التشريعية.
كانت الحكومة تعمل في غشت الماضي على إعداد تعديل لهذا القانون، خاصة بعد ملاحظة أن فئات معينة من الأشخاص الخاضعين لهذا الإجراء يقومون بشكل متزايد باقتناء الأعمال الفنية والتحف لإخراج جزء من ثروتهم من التصريح بالممتلكات، ولم ينص القانون في البداية على إدراج هذا النوع من السلع ضمن قائمة السلع الخاضعة للتصريح، مثل المجوهرات أو السيارات الفاخرة أو الساعات النادرة أو غيرها من هذه الممتلكات، وتبقى الترسانة التشريعية غير كافية في واقع الأمر.
وسبق ولفت المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي لسنة 2023، الانتباه إلى عدم الالتزام بالتصريح بالممتلكات من قبل أغلبية النواب. ومن بين النواب المنتخبين البالغ عددهم 515 في البرلمان، لم يكمل سوى 193 نائباً هذه الإجراءات الشكلية، مما يثير الشكوك حول شفافية إدارتهم للشؤون العامة.
ومع تصريح 141 نائبا و52 مستشارا، تبلغ نسبة احترام هذا القانون 59.9 في المائة بالنسبة للغرفة الأولى و13.2 في المائة للغرفة الثانية.ويبقى الوضع حسب المجلس الأعلى للحسابات الذي ترأسه زينب العدوي “مثيرا للقلق”.
تجريم الثراء غير المشروع..؟

وعم الجدل الصيف الماضي بمجرد أن قرر وزير العدل عبد اللطيف وهبي سحب المادة المتعلقة بالإثراء غير المشروع من الإصلاح المقترح للقانون الجنائي، التي اقترحها بعض أعضاء اللجنة النيابية لمراقبة المالية العامة داخل الغرفة الأولى.
وهو القرار الذي أثار جدلا واسعا وتم ربطه برغبة الحكومة في سحب تجريم الإثراء غير المشروع منه.
في هذا الشأن ألمح محمد غلوسي إلى أن “هذا السحب يعني أن الإثراء غير المشروع للمسؤولين عنه مباح، ولا ينبغي لأحد أن يطلب تفسيرا لأصل ثروتهم. ونتساءل الآن هل سيكون للنيابة الحق في فتح تحقيق في مصدر هذا الإثراء المشبوه أم أن يداها ستكونا مكبلتان في ظل غياب قانون يعاقب عليه؟
وفي قانونية تجريم الثراء غير المشروع، يبدو أن لوزير العدل البامي عبد الطيف وهبي رأي آخر، حيث سبق ودافع عن إقدام الحكومة على سحب مشروع مجموعة القانون الجنائي من البرلمان، وقال في جلسة للأسئلة الشفهية بمجلس النواب، في ال 24 من يوليوز الماضي، لقد “تم سحب جزء فقط من القانون الجنائي، لأن بعض الفصول التي سحبت تطرح إشكالا”، مضيفا أن “الإثراء غير المشروع إذا تم تطبيقه، كيف سنتعامل مع مبدأ قرينة البراءة المنصوص عليها دستوريا، أليس هذا تناقضا؟”.
وعلى ضوء ما سبق فقد أثير جدل كبير واواسع في هذا الموضوع، إثر القضايا الرائجة لدى القضاء والتي تم الحكم في بعضها ولازال التحقيق جاريا بالبعض الآخر، حيث يطرح الفاعلون الحقوقيون والمتتبعون العديد من الأسئلة المتعلقة بالقيمة الحقيقية لقانون التصريح الإجباري بالممتلكات، إذا لم يساعد في كبح هذه السلوكات والفساد السياسي، وقبل كل شيء الآن يتم الحديث عن الصعوبة والتعثر الذي تعرفه مناقشة مشروع قانون تجريم الثراء غير المشروع، وإخراجه إلى النور.
وينص الفصل 8 – 256 من مشروع القانون الجنائي على أنه “يعد مرتكبا لجريمة الإثراء غير المشروع، ويعاقب بغرامة من 100000 إلى 1000000 درهم، كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات طبقا للتشريع الجاري به العمل، ثبت بعد توليه للوظيفة أو المهمة أن ذمته المالية أو ذمة أولاده القاصرين الخاضعين للتصريح، عرفت زيادة كبيرة وغير مبررة انطلاقا من التصريح الذي أودعه المعني بالأمر بعد صدور هذا القانون، مقارنة مع مصادر دخله المشروعة، ولم يدل بما يثبت المصدر المشروع لتلك الزيادة”.
وكان هذا النص واحدا من بين 4 مواد ضمها مشروع تعديل القانون الجنائي المغربي الذي يعد أحد نتائج الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة في عهد وزير العدل والحريات السابق مصطفى الرميد.
محاربة الرشوة من يعرقل ؟

بعد مرور أكثر من عقد على اعتماد إعلان مراكش، لا يزال الفساد يتصدر عناوين الأخبار في جميع أنحاء العالم. في أكتوبر 2023، أشارت رئيسة قسم مكافحة الفساد والجريمة الاقتصادية في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بريجيت ستوبل شو، إلى أن “العديد من أشكال الفساد تشكل حاليًا عقبة كبيرة على طريق التنمية المستدامة”.
فكلمة التنمية، مما تحتم تعزيز وتوسيع نطاق تنفيذ التدابير الوقائية المنصوص عليها في إعلان مراكش، وبالتالي تعزيز بيئة أكثر شفافية ومسؤولية. إن إعلان مراكش، الذي تم اعتماده في عام 2011، هو، للتذكير، أساس أهمية الوقاية في نظام مكافحة الفساد.
“شر سحيق، لا ينفصل عن مجتمع إنساني ناقص”، الفساد هو، حسب تعريف الأكاديمية الفرنسية، تغيير، “حقيقة تحويل شخص ما عن واجبه، ورشوته، وإخضاعه”. وهو تعريف لا يزال غير مكتمل. ووفقا لطالب الدكتوراه في القانون العام، سيدريك برنار، فإن هذا يحتفظ فقط بالعنصر النشط للفساد. ولذلك فمن المناسب إضافة العنصر السلبي الذي يتمثل في “خطأ من يسمح لنفسه بأن يصرفه عن واجبه بالهدية أو الوعود أو الإقناع”.
يشير الفساد عادةً إلى نوع معين من إساءة استخدام السلطة المفوضة، والتي يتم ارتكابها بهدف تلبية غايات خاصة وبشكل عام على حساب الصالح العام، وأفردت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2015-2025) لمثل هذه السلوكات مبيانا واضحا يتلخص في تكملة قانون مكافحة الفساد بمراجعة قانون التصريح بالممتلكات وتنازع المصالح، وآخر بشأن حماية المبلغين عن الفساد.
ورغم التعليمات الحازمة الصادرة من رئاسة النيابة العامة، إلا أن بعض التحقيقات استمرت لسنوات. ويتجاهل بعض المنتخبين المتورطين استدعاءات المحكمة، واستمرارهم في أنشطتهم البرلمانية دون “خجل”.
تخليق المشهد البرلماني
ولرفع تحدي إنفاد القانون، بات من الضروري “إنشاء هيئة خاصة لضمان تطبيق التدابير المنصوص عليها في مدونة الأخلاقيات، على غرار ما ييقع في دول عدة”، كما يشير المراقبون.
ومن المرتقب أن يعتمد نص مدونة الأخلاقيات بمجلس النواب، على إنشاء مرصد مهمته مراقبة تنفيذ كافة الأحكام، وقد أثبتت هذه الآلية نجاعتها في بلدان أخرى.
ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تتولى هيئة مستقلة (مكتب أخلاقيات الكونجرس) مسؤولية التحقيق في “مزاعم” قضايا الفساد الموجهة ضد المسؤولين المنتخبين والمسؤولين البرلمانيين الذين يقدمون تقاريرهم إلى مجلس النواب، وفي فرنسا، تتولى لجنة الأخلاقيات مسؤولية دراسة جميع المسائل المتعلقة باحترام الشفافية البرلمانية ومنع تضارب المصالح.
وفي النص المغربي، فإن تنفيذ المعايير الأخلاقية قد يصبح معقدًا دون المشاركة الأولية للأحزاب السياسية التي يجب أن توافق على رفع التحدي المتمثل في اختيار الملفات الشخصية المعتمدة في الانتخابات، كما ترى شخصيات سياسية في النص الذي طلبه جلالة الملك “توجها” يهدف إلى تنظيم أفضل لاختيار المرشحين للانتخابات، خاصة عندما يتعلق الأمر برجال الأعمال.
وفي الواقع، دعا الملك محمد السادس، في رسالته الموجهة إلى البرلمان، إلى خلق “تآزر بين ممارسة الديمقراطية التمثيلية وممارسة الديمقراطية التشاركية، وتحسين صورة النخب البرلمانية والمنتخبة، وتعزيز وصول المرأة إلى السلطة”، والشباب إلى المؤسسات التمثيلية.
وتعد الحكامة الرشيدة كما قال الملك محمد السادس هي مفتاح نجاح أي إصلاح ينشده الجميع، فبالنسبة للبرلمانيين، فإن مدونة الأخلاقيات المستقبلية تبدو قبل كل شيء بمثابة تحذير.
ففي مواجهة العديد من القضايا والأزمات المطروحة مستقبلا على غرار ارتفاع معدل البطالة، وإيجاد حلول عاجلة لملف التعليم العمومي بالمغرب وأسئلة أخرى يطرحها المواطن المغربي،ويريد بشأنها إجابات عاجلة، يبقى المشهد السياسي بالمغرب محط انتقاد ومساءلة من قبل المغاربة الذين بات خطر الامتناع عن التصويت في انتخابات مقبلة، وشيك ووارد للغاية حسب ما رددته بعض وسائل الإعلام الأجنبية.





