صدمة المحروقات في المغرب.. كيف كشفت أزمة 2026 هشاشة الأمن الطاقي؟ (تقرير)

إعلام تيفي ـ تقرير

في سياق دولي بالغ التوتر، برزت سنة 2026 كإحدى أكثر الفترات حساسية في سوق الطاقة العالمية، بعد أن أدى تصاعد التوترات الجيوسياسية وإغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب واسع وغير مسبوق في إمدادات النفط. هذه التطورات لم تبقَ محصورة في الأسواق الدولية، بل امتدت تداعياتها بشكل مباشر إلى عدد من الدول المستوردة، وفي مقدمتها المغرب، الذي وجد نفسه أمام صدمة طاقية مركبة أعادت فتح النقاش حول هشاشة أمنه الطاقي.

ووفق تقرير صادر عن معهد الدراسات الاجتماعية والعلمية بعنوان: “أثر أزمة مضيق هرمز الجيوسياسية لعام 2026 على سوق المحروقات المغربي: دراسة تحليلية مقارنة بين تداعيات الصراع الدولي ونتائج استطلاع رأي وطني لسنة 2023″، فإن الأزمة شكلت نقطة تحول في مسار أسعار المحروقات داخل المغرب، وكشفت عن درجة عالية من الارتباط بالأسواق الدولية وتقلباتها.

منذ الأيام الأولى للأزمة، شهدت أسعار المحروقات في المغرب ارتفاعا متسارعا، شمل الغازوال والبنزين، نتيجة الارتفاع الحاد في الأسعار العالمية من جهة، وتزايد تكاليف النقل والتأمين البحري من جهة ثانية.

ويشير التقرير إلى أن هذا الارتفاع لم يكن ظرفيا أو محدود الأثر، بل يعكس بنية سوق تعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد، حيث يفوق معدل تغطية الواردات الطاقية 90% من حاجيات المملكة، في ظل غياب مصفاة تكرير وطنية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

على المستوى الماكرو-اقتصادي، أدت هذه الصدمة إلى ارتفاع ملحوظ في فاتورة الطاقة، ما زاد من الضغط على الميزان التجاري واحتياطات العملة الصعبة، كما ساهمت في تسريع وتيرة التضخم، خصوصا عبر قنوات النقل والإنتاج وسلاسل التوريد.

ويحذر التقرير من أن استمرار هذا الوضع من شأنه أن يفرض معادلة اقتصادية صعبة، حيث تجد السلطات نفسها بين خيارين متناقضين؛ دعم النشاط الاقتصادي من جهة، أو تشديد السياسة النقدية لكبح التضخم من جهة أخرى.

لم تقتصر تداعيات الأزمة على المؤشرات الاقتصادية الكبرى، بل امتدت بشكل مباشر إلى الحياة اليومية للمواطنين، فقد سجلت تراجعات واضحة في القدرة الشرائية، خاصة لدى الطبقة المتوسطة، نتيجة الارتفاع المتسلسل في أسعار النقل والمواد الغذائية والخدمات.

ويبرز التقرير، استنادا إلى مقارنة مع نتائج استطلاع وطني لسنة 2023، أن حساسية الأسر المغربية تجاه تقلبات أسعار المحروقات ازدادت بشكل واضح، مما جعل أي ارتفاع جديد ينعكس بسرعة على نمط الاستهلاك اليومي ويزيد من حدة الضغط الاجتماعي.

في مواجهة هذا الوضع، اعتمدت الحكومة مجموعة من الإجراءات الاستثنائية، من بينها دعم جزئي لقطاع النقل بهدف الحد من انتقال الصدمة إلى الأسعار النهائية، غير أن هذه التدخلات أثارت نقاشا واسعا حول فعاليتها وحدودها، خاصة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار بشكل متزامن بين مختلف الفاعلين في القطاع.

كما أعادت الأزمة إلى الواجهة الجدل حول شفافية تسعير المحروقات، في ظل اتهامات بوجود تقاطعات في سلوك السوق زادت من فقدان الثقة لدى المستهلكين.

بعيدا عن التدبير الظرفي، يؤكد تقرير معهد الدراسات الاجتماعية والعلمية أن أزمة 2026 كشفت بوضوح الحاجة إلى مراجعة عميقة للنموذج الطاقي المغربي، في ظل استمرار الاعتماد الكبير على الخارج وتقلبات السوق الدولية.

ويشدد التقرير على أن تعزيز الأمن الطاقي يمر عبر تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، وتطوير قدرات التخزين الاستراتيجي، وإعادة التفكير في إمكانية إحياء مشاريع التكرير الوطنية، إلى جانب تسريع إدماج البدائل الكهربائية والهجينة في قطاع النقل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى