كيف يعزز المغرب دوره في إفريقيا من خلال مقاربة جنوب–جنوب؟ (حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر

في ظل التحولات المتسارعة على الساحة الدولية، أصبح المغرب واحدا من الدول الإفريقية الرائدة في تعزيز التعاون جنوب–جنوب، حيث يولي اهتماما خاصا بتطوير شراكات استراتيجية متعددة الأبعاد مع الدول الإفريقية.

هذه المقاربة لا تقتصر على البعد الإنساني أو التنموي فقط، بل تتجاوز ذلك إلى صياغة علاقات اقتصادية مستدامة تعزز النفوذ المغربي داخل القارة وتفتح آفاقا جديدة للتكامل الإقليمي.

تأتي هذه الاستراتيجية المغربية في سياق رؤية ملكية متبصرة تهدف إلى الانتقال من منطق المساعدة التقليدية إلى فلسفة الشراكة الندية، حيث تصبح الدول الإفريقية شريكة حقيقية في المشاريع التنموية.

وفي هذا الحوار مع الخبير الاستراتيجي رضوان جخا، نسلط الضوء على أبعاد هذه الرؤية، وكيف ساهمت في تعزيز موقع المغرب على المستوى الإقليمي والدولي، من خلال مبادرات نوعية ومشاريع كبرى مثل “دبلوماسية الفوسفاط” و”أنبوب الغاز الأطلسي–الإفريقي”.

إلبكم نص الحوار:

كيف تقيمون التحول المغربي في مقاربة التعاون “جنوب–جنوب” خلال السنوات الأخيرة؟

التحول الذي شهده المغرب في مقاربة التعاون “جنوب–جنوب” ليس مجرد استجابة لظرفية عابرة أو تقلبات سياسية، بل هو تجسيد لرؤية إستراتيجية بعيدة المدى يقودها جلالة الملك محمد السادس.

هذه الرؤية تقوم على مبدأ أساسي هو استبدال منطق المساعد التقليدي بمفهوم الشراكة الندية التي تحقق قيمة مضافة مشتركة للطرفين، أي ما يمكن تسميته بـ”رابح–رابح”.

المملكة لم تعد تكتفي بتقديم الدعم والمساعدات بشكل أحادي الجانب، بل أصبحت تعمل على إرساء شراكات طويلة الأمد مع مختلف الدول الإفريقية، بحيث تتجاوز العلاقات التقليدية لتصبح حقيقية ومثمرة على المديين الاقتصادي والاجتماعي.

ما أبرز المجالات التي تجلت فيها هذه المقاربة الجديدة على أرض الواقع؟

رضوان جخا: يمكن ملاحظة أثر هذه المقاربة في عدة محاور أساسية. أولها البعد الإنساني والتضامني، حيث لعب المغرب دوراً بارزاً خلال جائحة كورونا، عبر إرسال دعم طبي مستمر وتوفير مستشفيات ميدانية للأشقاء في إفريقيا.

هذا الدعم لم يقتصر على الجانب الإنساني، بل كان نقطة انطلاق لتعزيز الثقة وبناء علاقات استراتيجية مستدامة، وهو ما انعكس في توقيع أزيد من 1600 اتفاقية تعاون وإجراء 52 زيارة ملكية إلى الدول الإفريقية، وصولاً إلى عودة المغرب الاستراتيجية للاتحاد الإفريقي سنة 2017.

إضافة لذلك، هناك البعد الاقتصادي الهيكلي، الذي يظهر بوضوح في “دبلوماسية الفوسفاط” التي تقودها مجموعة OCP.

هذه الدبلوماسية لا تقتصر على تصدير الموارد، بل تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي القاري عبر تخصيص ملايين الأطنان من الأسمدة للفلاحين الأفارقة، وإرساء وحدات إنتاجية ضخمة في دول مثل إثيوبيا وغانا ونيجيريا، كل هذا يجعل المغرب شريكاً اقتصادياً لا يمكن تجاهله على المستوى القاري.

هناك حديث عن مشاريع كبرى مثل “أنبوب الغاز الأطلسي–الإفريقي”، ما أهميتها بالنسبة لتقوية موقع المغرب الإقليمي؟

مشروع “أنبوب الغاز الأطلسي–الإفريقي” يمثل نموذجا فريدا للتكامل القاري العابر للحدود، وهو ليس مجرد مشروع طاقي بحت، بل شريان اقتصادي حيوي يربط 13 دولة ويستفيد منه مئات الملايين من السكان.

هذا المشروع يتيح للمغرب أن يرسخ موقعه كقوة إقليمية صاعدة داخل نظام دولي متعدد الأقطاب، لأنه يربط بين الاستقرار الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والتعاون الإقليمي.

بمعنى آخر، المغرب لا يقتصر دوره على حماية مصالحه الوطنية فقط، بل يعمل على خلق فرص اقتصادية مشتركة ترفع من مستوى الرفاهية في الدول الشريكة.

كيف انعكس هذا التموقع على نفوذ المغرب داخل المؤسسات الإفريقية والدولية؟

بفضل استراتيجية تنويع الشراكات وتوسيع الاستثمارات، أصبح المغرب المستثمر الأول في غرب إفريقيا والثاني على مستوى القارة، وهو ما عزز ثقل الرباط داخل مؤسسات القرار الإفريقي، ولا سيما مجلس السلم والأمن.

بالإضافة إلى ذلك، الرؤية الملكية المعروفة برؤية المحيط الأطلسي ساهمت في إرساء مشاريع كبرى مثل ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي ويمنحها منفذاً استراتيجيا، ما يعزز دور المغرب كبوابة اقتصادية بين إفريقيا والأمريكتين.

كيف تصفون التأثير العام لهذه المبادرات على فلسفة التعاون المغربي في إفريقيا؟

المبادرات الملكية تعكس تحولا فلسفيا عميقا في مفهوم التعاون المغربي،  انتقل المغرب من مجرد إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، من خلال تثمين الإمكانيات الذاتية للقارة وتجاوز المقاربات القديمة القائمة على الاتكال.

اليوم، المغرب يسعى لبناء إفريقيا الأمل، أي قارة قائمة على شراكات مستدامة تحقق أثراً اجتماعياً واقتصادياً ملموساً لشعوبها.

هذا النهج يعكس فهم المملكة العميق للتحديات والفرص، ويضعها في موقع استراتيجي يوازن بين المصالح الوطنية والأهداف الإفريقية المشتركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى