حماية الأطفال واللاجئين.. خبراء يدعون من مراكش إلى مراجعة السياسات الاجتماعية

إعلام تيفي/ بلاغ
دعا خبراء وباحثون في مجال العمل الاجتماعي والسياسات العمومية إلى مراجعة آليات حماية الأطفال والفئات الهشة، وتطوير التدخلات الاجتماعية بما يستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمعات، مع تجاوز المقاربات التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة التحديات المرتبطة بإدماج اللاجئين وتحقيق الشمول الاجتماعي.
وجاءت هذه الدعوات خلال أشغال الندوة الدولية التي ينظمها المعهد العالمي للعمل الاجتماعي بمدينة مراكش، الجمعة، والتي خصصت حيزا من نقاشاتها لواقع حماية الطفولة، وسبل تحسين أوضاع الأطفال اللاجئين، إلى جانب استعراض التحديات التي تواجه السياسات الاجتماعية في ظل التحولات المجتمعية المتسارعة.
وفي هذا السياق، شددت الخبيرة في حماية الطفل والسياسات الاجتماعية، ليال بوحرفوش، على ضرورة إعادة صياغة رؤية أنظمة رعاية الأطفال، من خلال الانتقال من الطموحات النظرية إلى تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس، معتبرة أن حماية مستقبل الأطفال تقتضي اعتماد تدخلات مدروسة وتجنب الإجراءات التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
وأوضحت بوحرفوش أن تقديم مساعدات مالية بسيطة للأسر يمكن أن يسهم في الحد من حالات سوء معاملة الأطفال، كما أبرزت أهمية الرعاية الأسرية البديلة مقارنة بالرعاية داخل المؤسسات، من حيث تحسين القدرات الذهنية للأطفال وتعزيز استقرارهم النفسي، عندما يصبح فصلهم عن أسرهم أمرا ضروريا.
وانتقدت المتحدثة الأنظمة التقليدية التي تحمل الأمهات مسؤولية التقصير في حماية أطفالهن، عوض التركيز على محاسبة المعتدين، محذرة من أن هذه الممارسات قد تدفع الأسر إلى التزام الصمت وعدم الإبلاغ عن المخاطر التي تهدد الأطفال، خشية فقدانهم.
وأكدت الخبيرة أن المؤسسات التعليمية تضطلع بدور أساسي في رصد المشكلات التي يواجهها الأطفال وتحديد احتياجاتهم، بما يتيح توفير الدعم اللازم في الوقت المناسب، ويعزز قدرة منظومة الحماية على التدخل المبكر.
وفي ما يتعلق بأوضاع الأطفال اللاجئين، استعرضت نينو شاتبراشفيلي، مؤسسة وعضو مجلس إدارة الجمعيات الجورجية للعاملين في المجال الاجتماعي، التحديات المرتبطة بإدماج هذه الفئة داخل المجتمع الجورجي، مشيرة إلى أن البلاد استقبلت أعدادا مهمة من اللاجئين، خصوصا عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وأفادت شاتبراشفيلي بأن عدد الأطفال الأوكرانيين اللاجئين في جورجيا بلغ نحو خمسة آلاف طفل، إلى جانب لاجئين من جنسيات أخرى، من بينها الجنسيات الأفغانية والسورية، موضحة أن دراسة ميدانية أُنجزت سنة 2026 بدعم من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تناولت أوضاع الأطفال اللاجئين داخل النظامين التعليمي والاجتماعي.
وسجلت المتحدثة أن التدابير التي اتخذتها السلطات الجورجية، بما فيها تعديلات تشريعية وتوفير موارد تعليمية خاصة بالأطفال الأوكرانيين في ثلاث مدارس، لم تمنع استمرار مظاهر العزل الاجتماعي واللغوي بينهم وبين الأطفال الجورجيين.
وأبرزت أن برامج تعلم اللغة الجورجية المتاحة تركز أساسا على اكتساب مهارات التواصل الأساسية، دون توفير ما يكفي من الأدوات اللغوية اللازمة لمواكبة التحصيل الدراسي، مشيرة إلى وجود ارتباط وثيق بين إتقان اللغة وقدرة الأطفال اللاجئين على الاندماج والمشاركة في الأنشطة المدرسية والمجتمعية.
كما لفتت إلى أن الخوف من السخرية والصعوبات المرتبطة بفهم المقررات الدراسية يشكلان من بين العوائق التي تحد من مشاركة هؤلاء الأطفال داخل المؤسسات التعليمية، ويسهمان في ارتفاع الغياب والتسرب المدرسي، وفق ما عرضته خلال الندوة.
وفي الجانب المتعلق بالتكوين، نبهت شاتبراشفيلي إلى وجود خصاص في إعداد الكفاءات المتخصصة في التعامل مع اللاجئين والنازحين وضحايا الحروب، رغم تطور برامج التعليم العالي في مجال العمل الاجتماعي بجورجيا منذ سنة 2006، معتبرة أن تطوير المناهج الأكاديمية يظل ضروريا لمواكبة الاحتياجات الخاصة بهذه الفئات.
من جانبه، اعتبر خورخي فيريرا، الأستاذ بالمعهد الجامعي بلشبونة، أن تحقيق الشمول الاجتماعي للأسر والفئات التي تعيش أوضاعا غير مستقرة يمثل أحد أبرز التحديات المطروحة أمام المجتمعات المعاصرة، مؤكدا أهمية الجمع بين البحث متعدد التخصصات ومقاربات الاستدامة من أجل بناء مجتمعات أكثر شمولا وقدرة على ضمان رفاه مختلف مكوناتها.
وأوضح فيريرا أن مفهوم الحماية الاجتماعية عرف تحولا تجاوز التصورات التقليدية المرتبطة بالإدماج من خلال العمل، نحو مقاربة أوسع للشمول الاجتماعي، تقوم على مراعاة تعدد الاحتياجات والفوارق بين الفئات والمناطق.
وأشار إلى أن النماذج المركزية والموحدة لم تعد كافية للاستجابة لمختلف التحولات الاجتماعية، ما يستدعي اعتماد تدخلات محلية وإقليمية تراعي خصوصيات المجالات الترابية وأوضاع السكان، مع تعزيز مشاركة المواطنين والمستفيدين في إعداد السياسات العمومية وتقييم نتائجها.
كما توقف المتحدث عند الإمكانات التي يتيحها التحول الرقمي لتطوير الابتكار وتوسيع فرص التفاعل الاجتماعي، مشددا في المقابل على ضرورة تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي واحترام القيم الديمقراطية، بما يحد من التفاوتات الاجتماعية ويعزز فرص المشاركة المتكافئة.





