ضغط إداري يرهق الأساتذة.. “مدارس الريادة” تثير الجدل بسوس ماسة

حسين العياشي

سجّل ورش “مؤسسات الريادة” بجهة سوس ماسة مؤشرات مقلقة في مسار تنزيله الميداني، بعدما حذّر عدد من نساء ورجال التعليم من انزياحه التدريجي عن أهدافه التربوية المعلنة، في ظل ما وصفوه بتضخم غير مبرر في الأعباء الإدارية والتنظيمية على حساب الزمن المدرسي وجودة التعلمات داخل الفصول.

ففي الوقت الذي كان يُنتظر من هذا المشروع أن يشكل رافعة لإصلاح المنظومة التربوية والارتقاء بأداء المدرسة العمومية، وجد العديد من الأساتذة أنفسهم، وفق إفادات متطابقة من داخل المؤسسات المعنية، أمام سيل متزايد من الالتزامات اليومية التي تتجاوز جوهر مهنتهم. تقارير مفصلة تُنجز بشكل دوري، وتتبع دقيق لمؤشرات متعددة، ومهام تنظيمية متشعبة، كلها عناصر باتت تستنزف وقت المدرس وتركيزه، وتحدّ من حضوره الفعلي داخل الحصة الدراسية.

هذا التحول في طبيعة الاشتغال، من فعل تربوي مباشر إلى انشغال إداري متنامٍ، بدأ يثير قلقاً متصاعداً في أوساط الشغيلة التعليمية، التي ترى أن المقاربة المعتمدة في تنزيل المشروع أفرغته تدريجياً من مضمونه، وحوّلته إلى عبء يومي يثقل كاهل المدرسين بدل أن يدعم أدوارهم البيداغوجية ويعزز جودة التعلمات.

وفي خضم هذا الجدل، حذّرت مصادر نقابية من تداعيات الاستمرار في هذا النمط من التدبير، معتبرة أن توسيع دائرة المهام خارج الاختصاص التربوي من شأنه أن يخلّ بالتوازن المهني للأساتذة، ويؤثر بشكل مباشر على مردودية العملية التعليمية داخل المدرسة العمومية، في وقت يفترض فيه أن تنصب الجهود على تحسين التعلم لا على إثقال كاهل الفاعل التربوي بإجراءات موازية.

وأفادت المصادر ذاتها بأن الأطر التربوية داخل مؤسسات الريادة تواجه ما وصفته بـ”تراكم غير مسبوق للمهام” و”ضغط متزايد” يعكس، بحسب تقديرها، اختلالات في تدبير هذا الورش الإصلاحي، مشيرة إلى أن الأساتذة أصبحوا مطالبين بإنجاز مهام متناسلة لا ترتبط في كثير من الأحيان بجوهر العملية التعليمية، ما يفرغ العمل التربوي من تركيزه الأساسي.

كما عبّرت هذه المصادر عن رفضها لجملة من الإجراءات المرتبطة بتنزيل المشروع، وعلى رأسها ما يُعرف بعملية “مسك الكفايات” عبر منظومة “مسار”، معتبرة أنها تفتقر إلى سند قانوني واضح، وتفرض أعباء إضافية تمس بالزمن المهني للأساتذة وتتجاوز الضوابط التنظيمية المؤطرة للمهنة.

وفي مقابل ذلك، دعت المصادر النقابية وزارة التربية الوطنية إلى مراجعة شاملة لكيفية تنزيل هذا الورش، عبر اعتماد تنظيم تربوي يضمن شروط عمل ملائمة، ويعيد الاعتبار للدور البيداغوجي للأستاذ داخل القسم، مع التراجع عن الإجراءات التي تزيد من الضغط الإداري دون أثر ملموس على جودة التعلمات.

ويأتي هذا النقاش في سياق وطني يتسم بتسارع وتيرة إصلاح منظومة التعليم، غير أن ما تكشفه المؤشرات الميدانية يطرح إشكال الفجوة بين التصورات النظرية لهذه المشاريع وكيفية تنزيلها داخل المؤسسات التعليمية، وهو ما يعيد إلى الواجهة مطلب إشراك الفاعلين التربويين بشكل فعلي في بلورة السياسات التعليمية وتنفيذها، بما يضمن نجاعتها واستدامتها ويحول دون تحولها إلى أعباء إضافية بدل أن تكون أدوات للتطوير والتجويد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى