تسع سنوات على دخول قانون مكافحة العنف ضد المرأة حيز التنفيذ..طموح لم يترجم بعد إلى واقع ملموس

بشرى عطوشي

تقرير _ بعد مرور ما يقارب تسع سنوات على تطبيق القانون رقم 103.13 المتعلق بمكافحة العنف ضد المرأة، لا تزال البيانات القضائية تُبرز فجوةً كبيرة بين طموح القانون وتطبيقه الفعلي في المحاكم.

وتُظهر الأرقام الصادرة عن النيابة العامة، والتي نقلتها منظمة “إمرأة – شركاء للتعبئة حول الحقوق” (MRA women)، أنه في عام 2024، لم يُرفع سوى عدد محدود للغاية من الدعاوى القضائية في فئات معينة من العنف، ولا سيما التحرش الجنسي في مكان العمل وانتهاكات متطلبات الحماية.

نظام قضائي تحت الضغط

طُرح القانون رقم 103.13، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2018، باعتباره خطوة هامة نحو الاعتراف بأشكال العنف المختلفة التي تتعرض لها المرأة، سواءً كانت جسدية أو نفسية أو اقتصادية أو جنسية.

كما يهدف إلى تعزيز حماية الضحايا وتكثيف ملاحقة بعض السلوكيات التي كانت تتجاهل إلى حد كبير في النظام القضائي. إلا أن أحدث البيانات تُشير إلى أن نطاق التشريع، عمليًا، لا يزال محدودًا بسبب العديد من العقبات الهيكلية.

بحسب المعلومات التي نشرتها المنظمة، لم تُسجّل سوى 15 قضية تحرش جنسي في أماكن العمل عام 2024. عشر من هذه القضايا تتعلق بمرتكبين انتهكوا مراسيم الحماية.

أما في الأماكن العامة، فقد سُجلت 886 قضية تحرش جنسي، وتظهر أرقام أخرى، أكثر إثارة للقلق، استمرار العنف الخطير: 56 قضية قتل عمد للنساء، و649 قضية اغتصاب، و2568 قضية عنف أدت إلى عجز لأكثر من 20 يومًا.

مع أن هذه الأرقام تُبيّن النشاط القضائي في فئات مُحدّدة من الجرائم، إلا أنها لا تُقدّم الصورة كاملة، فهي لا تُتيح لنا، بمفردها، تحديد العدد الإجمالي للجرائم المرتكبة أو معدل تحويل الشكاوى إلى قضايا.

 

أرقام تكشف مدى انعدام سبل الانصاف
بالنسبة لمنظمات حقوق المرأة، لا يقتصر هذا الضعف على مجرد تأخير في التنفيذ. يكشف هذا عن أوجه قصور أعمق في مخطط نظام العدالة الجنائية نفسه، وفي ممارسات المؤسسات المسؤولة عن تنفيذه.

في تقريريها لعامي 2022 و2024، ترى منظمة “إمرأة – شركاء للتعبئة حول الحقوق” (MRA women)، أن بعض الأحكام الحالية في القانون 103.13 قد تعيق، على نحوٍ متناقض، الإبلاغ عن العنف بدلاً من تسهيله.

ويعود ذلك تحديداً إلى تعقيد الإجراءات، وصعوبة حصول الضحايا على حماية فعّالة، وانعدام الثقة في قدرة النظام القضائي على ضمان الدعم المناسب لهم.

وتؤكد هذه الملاحظة ما توصلت إليه المنظمات الدولية والمؤسسات الوطنية منذ فترة طويلة بشأن انخفاض معدل الإبلاغ عن العنف القائم على النوع الاجتماعي.

ووفقاً لأحدث مسح وطني أجرته المندوبية السامية للتخطيط، بشأن العنف ضد المرأة والرجل، تم نشره في 2019، فقد تعرضت 57 في المائة، على الأقل من النساء لشكل من أشكال العنف.

ومع ذلك، لم تُبلغ سوى 10.5 في المائة، منهن عن تقديم شكوى أو التواصل مع السلطات المختصة. أما معدل الإبلاغ عن العنف الجنسي فهو أقل من ذلك بكثير، إذ يقل عن 3 في المائة.

يخشى العديد من الضحايا عدم تصديقهم، أو التعرض للحكم أو التدقيق الاجتماعي. ويتجنب آخرون اللجوء إلى الإجراءات القانونية المطولة والمكلفة والشاقة، والتي لا تسفر دائمًا عن نتائج ملموسة.

وقد سبق للأمم المتحدة أن أكدت أن طول أمد التحقيقات، وعدم اليقين بشأن القرارات القانونية، والخوف من التعرض للإذلال  أو اللوم ، كلها عوامل تُثني الكثير من النساء عن طلب المساعدة، كما شدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان مرارًا وتكرارًا على خطورة العنف ضد المرأة، الذي وصفه بأنه أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارًا في العالم.

وتشير المؤسسة أيضًا إلى أنه على الصعيد الدولي، تُقتل حوالي 140 امرأة وفتاة يوميًا، أي ضحية واحدة كل عشر دقائق.

القانون 103.13: إطار قانوني لا يزال مجزأً وغير فعال
في المغرب، تكمن المشكلة أيضًا في التنسيق بين المعايير القانونية المختلفة، ترى عدة جمعيات أن تشتت النصوص، وتداخلها مع الأحكام الجزائية العامة، وعدم وجود ترابط كافٍ بين الوقاية والحماية والعقاب، يُضعف فعالية السياسات .

ووفقًا لها، يُمكن لهذا الإطار التنظيمي أن يُرسخ الصور النمطية الجندرية ويُضعف استجابة الدولة للعنف. ولا يقتصر النقد على نص القانون رقم 103.13 فحسب، بل يتعداه إلى قدرته الفعلية على ضمان المرور الآمن، يعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية للضحايا، بدءًا من تقديم الشكوى وصولًا إلى تنفيذ أوامر المحكمة.

وتُشير معدلات الملاحقة القضائية المنخفضة في بعض المجالات، كالتحرش الجنسي في مكان العمل أو انتهاكات مراسيم الحماية، إلى وجود مشكلة خطيرة. ففي كلتا الحالتين، تتطلب هذه الجرائم نظامًا سريع الاستجابة للكشف عنها والإبلاغ ومتابعتها.

ومع ذلك، عندما يواجه الضحايا تأخيرات أو نقصًا في الدعم أو آليات حماية غير شفافة، يكون الأثر الرادع فوريًا. ففي مكان العمل، غالبًا ما تُثني التبعية الاقتصادية والخوف من الانتقام والعزلة الضحايا عن تقديم الشكاوى. وفي حالة أوامر التقييد أو أوامر منع التواصل، قد يؤدي غياب المتابعة الدقيقة إلى إفراغ الحماية من مضمونها.

ولا تقتصر هذه المسألة على إنفاذ القانون فحسب، بل تتعداها إلى السياسات العمومية، ويعكس الخطاب الرسمي الآن رغبةً في تعزيز هذه التدابير.

وقد أعلنت وزيرة التضامن والتكامل الاجتماعي والأسرة، نعيمة بنيحيى، يوم الاثنين 13 أبريل، عن إطلاق وحدة دعم جديدة تهدف إلى تعزيز المساعدة القانونية والمؤسسية للضحايا، وأوضحت لمجلس النواب أنه سيتم إطلاق وحدة مركزية، لم يسبق تفعيلها من قبل، رسميًا الأسبوع المقبل في إطار مكافحة العنف ضد المرأة.

يأتي هذا الإعلان ضمن جهد أوسع نطاقًا لخلق استجابة مؤسسية أكثر وضوحًا في وقت تتزايد فيه التوقعات المجتمعية. وتشير بيانات مقياس أفريقيا (أفروباروميتر) المنشورة العام الماضي إلى أن 76 في المائة من المغاربة يعتقدون أنه على الشرطة والمحاكم بذل المزيد من الجهود لحماية النساء والفتيات من التمييز والتحرش.

بعد مرور ما يقرب من عقد على اعتماده، لا يزال القانون 103.13 يثير تساؤلًا جوهريًا: هل غيّر حقًا حياة النساء اللواتي يواجهن العنف، أم أنه مجرد طموح لم يُترجم بالكامل إلى واقع ملموس؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى