المختلون عقليا في المغرب.. بين الشارع وغياب الاحتواء

هدى الرويفي: صحافية متدربة
بعد تسجيل عدد من الحوادث الأليمة التي أودت بحياة الكثير من المواطنين مؤخرا، تحولت ظاهرة إنتشار المختلين عقليا بالمغرب إلى واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية إثارة للنقاش خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح حضور المضطربين نفسيا وعقليا في الشوارع، والأحياء، والأسواق مشهدا يوميا في عدد من المدن الكبرى والصغرى.
بين من يراهم خطرا يهدد الأمن العام، ومن يعتبرهم ضحايا مشاكل اجتماعية ومنظومة صحية هشة، يظل السؤال المطروح، كيف وصل هؤلاء إلى الشارع؟.
تتداخل في هذه الظاهرة أسباب متعددة، يتقدمها ضعف البنية الصحية المتخصصة، وخصاص الأطر الطبية، وارتفاع كلفة العلاج، فضلا عن الوصمة الاجتماعية التي ما تزال تلاحق المرض النفسي والعقلي، فتدفع بعض الأسر إلى إخفاء المريض أو التخلي عنه. كما تجد عائلات كثيرة نفسها عاجزة، ماديا ونفسيا، عن تحمل أعباء حالات تستوجب علاجا طويل الأمد ورعاية يومية مستمرة.
وفي حالات أخرى، يؤدي الانقطاع عن العلاج أو غياب التتبع الطبي المنتظم إلى تفاقم الوضع الصحي للمريض، فيغادر البيت أو يترك لمصيره في الشارع، حيث يتحول إلى ضحية مفتوحة للعنف والتشرد والاستغلال، في مشهد يكشف جانبا من هشاشة منظومة الرعاية الاجتماعية والصحية.
خلال جلسة ماي 2025 للأسئلة الشفهية بمجلس النواب، أشار وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، إلى أن عدد الأطر المختصة في مجال الصحة النفسية والعقلية بلغ إلى حدود سنة 2025 ما مجموعه 3230 مهنيا صحيا، موزعين بين 319 طبيبا متخصصا في الطب النفسي بالقطاع العام و 274 طبيبا بالقطاع الخاص.
ويرى مختصون أن هذا الرقم يظل غير كاف بالنظر إلى عدد السكان، وتزايد الطلب على خدمات الصحة النفسية، في وقت ما تزال فيه عدة مناطق تعاني غياب مستشفيات أو مصالح متخصصة، لا سيما بالعالم القروي والمدن الصغرى.
ولا تتوفر معطيات وطنية دقيقة ومحينة بشأن عدد المستفيدين سنويا من العلاج النفسي، غير أن المؤشرات الرسمية تفيد بأن شريحة واسعة من المرضى لا تتمكن من الولوج إلى العلاج، بسبب الخصاص في الأطباء المختصين وارتفاع كلفة العلاج.
وفي خطوة تؤكد أن الأسعار كانت تمثل عبئا على المرضى، أعلنت وزارة الصحة المغربية في يونيو 2025، عن خفض أسعار عدد من الأدوية الأساسية، من بينها أدوية مرتبطة بالصحة النفسية، حيث لا يقف المرض النفسي عند حدود المعاناة الصحية فقط، بل يتحول أحيانا إلى معاناة مالية أيضا.
فعندما يصبح العلاج مكلفا، ينقطع المريض عن التتبع وتتفاقم حالته، وقد ينتهي به المطاف في الشارع أو في مواجهة العزلة والتشرد. وقد أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقرير له نشر سنة 2022 حول الصحة العقلية وأسباب الانتحار بالمغرب، وجود صعوبات كبيرة في الولوج للعلاج النفسي والعقلي.
إذا كان الرجال يظهرون أكثر في الشارع، فإن النساء اللواتي يعانين من اضطرابات عقلية يواجهن أوضاعا أشد قسوة، إذ سجلت تقارير إعلامية حالات اعتداءات جنسية وحمل وتشرد، ما يكشف هشاشة هذه الفئة وغياب آليات الحماية الاجتماعية والقانونية الكافية.
وسبق أن أعلنت وزارة الصحة المغربية عن سلسلة من التدابير والإجراءات الهادفة إلى التعامل مع موضوع الصحة النفسية ضمانا لجودة حياة المواطنين، حيث أكد التهراوي أن الوزارة، في إطار المخطط الاستراتيجي الوطني متعدد القطاعات للصحة العقلية 2030، تعمل على تعزيز العرض الصحي عبر عدة محاور عملية تهدف إلى تقريب الخدمات وتحسين جودتها. غير أن نجاح هذه الخطة يبقى رهينا بتوفير الموارد البشرية والتمويل الكافي، إلى جانب التنسيق مع الجماعات المحلية والأسر والمجتمع المدني.
يبقى ملف المضطربين عقليا ونفسيا في المغرب عنوانا لأزمة أعمق من مجرد وجود أشخاص تائهين في الشارع، بل أزمة صحة عمومية، وعدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية. فهؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل مواطنون يحتاجون إلى علاج واحتواء وحماية، قبل أن يتحولوا إلى خطر على أنفسهم أو على المجتمع.





