فاس في عيد الأضحى.. أزقة تحتفل وذاكرة ترفض النسيان

مديحة المهادنة : صحافية متدربة
خبر_في فاس، لا يمر عيد الأضحى كحدث عابر، بل يحضر كطقس جماعي يختلط فيه الإيمان بالفرجة، والفرح بالذاكرة، والاحتفال الشعبي بعمق التاريخ. فهذه المدينة العتيقة، التي ما زالت تحمل داخل أزقتها روح قرون طويلة من التقاليد، تستقبل العيد بطريقتها الخاصة؛ طريقة لا تشبه إلا فاس، حيث يصبح كل حي فضاء مفتوحا للطقوس والعادات والتلاقي.
منذ الساعات الأولى لصباح العيد، تستيقظ المدينة على إيقاع التكبيرات وروائح البخور وحركة الأسر التي تستعد لأداء صلاة العيد، قبل أن تعود إلى البيوت حيث تبدأ طقوس النحر وفق عادات متوارثة. غير أن ما يميز فاس لا يتوقف عند لحظة الذبح فقط، بل يمتد إلى ما بعدها، حين تخرج بعض مظاهر الاحتفال الشعبي إلى الشوارع، وتتحول الأزقة الضيقة إلى مسرح حي للتراث الفاسي.
ومن بين المشاهد التي ما زالت تثير فضول السكان والزوار، حضور الفرسان والخيول واللباس التقليدي في بعض الأحياء، في استعادة رمزية لمظاهر الفروسية والوجاهة الشعبية التي ارتبطت بالاحتفالات الكبرى. فمشهد الرجال بجلابيبهم البيضاء، والخيول المزينة بالألوان، والحضور الشعبي المتحلق حولهم، لا يعكس مجرد فرجة عابرة، بل يكشف عن علاقة عميقة بين المدينة وتراثها اللامادي.
في عيد الأضحى، تستعيد فاس أيضا دفء العلاقات الاجتماعية. الجيران يتبادلون التهاني، الأطفال يملؤون الأزقة حركة وضحكا، والنساء ينشطن داخل البيوت لإعداد أطباق العيد المعروفة، من “بولفاف” إلى وجبات الكبد والرأس، في طقوس مطبخية تحمل بدورها جزءا من الذاكرة العائلية. فالبيت الفاسي، في هذا اليوم، لا يكون مجرد فضاء خاص، بل يتحول إلى نقطة التقاء بين العائلة والجوار والضيوف.
عيد الأضحى في فاس ليس فقط ذبيحة وطقوسا منزلية، بل هو ذاكرة مدينة كاملة. هو لحظة تخرج فيها الازقة من صمتها، وتستعيد نبضها القديم، وتظهر فيها ملامح مدينة تعرف كيف تحافظ على خصوصيتها وسط زمن سريع يهدد كثيرا من العادات بالاندثار.





