السفر بدل الأضحية.. تحول صامت يهدد رمزية العيد في وعي الجيل الناشئ

مديحة المهادنة : صحافية متدربة
رأي_لم يعد عيد الأضحى، بالنسبة إلى عدد من الأسر المغربية، ذلك الموعد الثابت الذي تشد فيه الرحال نحو بيت العائلة، وتفتح فيه الأبواب لصلة الرحم، وتعلو فيه التكبيرات فوق ضجيج الحياة اليومية. فقد بدأت تظهر في السنوات الأخيرة سلوكات جديدة، تكشف عن تحول لافت في علاقة بعض المغاربة بهذه المناسبة الدينية والاجتماعية، حيث باتت فئات من الأسر تفضل التخلي عن طقوس العيد، أو تقليص حضورها، واختيار السفر أو قضاء عطلة خارج المدينة، بعيدا عن ضغط الأضحية ومصاريف المناسبة وثقل الالتزامات العائلية.
هذه الظاهرة، وإن بدت في ظاهرها مجرد اختيار شخصي، فإنها تحمل في عمقها مؤشرات اجتماعية واقتصادية ونفسية تستحق التوقف. فالعيد الذي كان يجمع العائلة حول طقس موحد، أصبح عند البعض مناسبة للهروب من واجبات ترهق الجيب والنفس معا. وبين من يرى في السفر تحررا من ضغط اجتماعي لم يعد قادرا على تحمله، ومن يعتبر التخلي عن طقوس العيد تفريطا في جزء من الهوية والتقاليد والشريعة .
في السابق، كان عيد الأضحى مناسبة تقاس بالاجتماع لا بالاستهلاك. كانت الأسر، رغم بساطة الإمكانيات، تحرص على الأضحية، وعلى زيارة الأقارب، وعلى تقاسم الطعام والفرح داخل الحي والعائلة.اليوم اصبحت بعض الأسر تختار السفر بدل الدخول في دوامة الأسواق والبحث عن أضحية مناسبة بالنسبة لها حجز إقامة في مدينة سياحية، أو قضاء أيام العيد في فندق، أو السفر إلى وجهة خارجية حل مريح و في المتناول .
غير أن هذا التحول لا يخلو من مفارقة كبيرة ففي الوقت الذي تعجز فيه أسر عن توفير أضحية لأبنائها وتعيش العيد بنوع من الانكسار الصامت، توجد أسر أخرى تختار بإرادتها مغادرة أجواء العيد نحو الفنادق والمنتجعات. هنا لا يتعلق الأمر فقط باختلاف في القدرة الشرائية، بل باختلاف في معنى المناسبة نفسها.
عيد الأضحى اليوم يقف بين عالمين: عالم قديم كان يربط المناسبة بالتضامن واللمة وصلة الرحم، وعالم جديد يربطها بالكلفة والضغط والاختيارات الفردية. وبين العالمين، تظهر صورة مجتمع يتغير بسرعة، ويحاول أن يجد توازنه بين الوفاء للشريعة و للتقاليد والنجاة من ثقل الواقع.
هذا التحول لا يقف عند حدود قرار أسرة بالسفر أو التخلي عن طقوس العيد، بل يمتد إلى أثره العميق على الجيل الناشئ. فالطفل الذي يكبر داخل بيت يتعامل مع عيد الأضحى كأنه مجرد عطلة قابلة للتأجيل أو التعويض بسفر وفندق، قد تتولد لديه قناعة تدريجية بأن العيد أمر عادي يمكن الاستغناء عنه متى شاء، لا باعتباره شعيرة من شعائر الله ومناسبة لها رمزيتها الدينية والاجتماعية.
هنا يكمن البعد الخطير لهذه الاختيارات لأنها لا تغير سلوك الكبار فقط، بل تعيد تشكيل وعي الصغار. حين يغيب مشهد صلاة العيد، وتغيب اللمة العائلية، وتغيب معاني التضحية والتقاسم وصلة الرحم، يفقد الطفل جزءا من ذاكرته الجماعية ومن فهمه الحقيقي للمناسبة. ومع مرور الوقت، قد يتحول العيد من شعيرة حاضرة في الوجدان إلى مجرد يوم عطلة، ومن طقس يربط الإنسان بدينه وأسرته ومجتمعه إلى مناسبة اختيارية لا تختلف كثيرا عن عطلة نهاية أسبوع طويلة.





