
مديحة المهادنة
خبر_رغم ما حققه ورش تعميم الحماية الاجتماعية من تقدم على مستوى توسيع قاعدة المسجلين، فإن المحور الثالث من تقرير المعهد المغربي لتحليل السياسات يكشف أن الاختبار الحقيقي لم يعد مرتبطا بعدد المنخرطين، بل بمدى قدرة هذه المنظومة على ضمان استفادة فعلية من العلاج والدعم والتعويضات.
فالأرقام، وإن بدت في ظاهرها مؤشرا على توسع التغطية، تخفي فجوة مقلقة بين “التعميم الاسمي” و“التعميم الفعلي”. إذ يشير التقرير إلى وجود فئات مسجلة داخل أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، لكنها لا تستفيد عمليا من الحقوق المرتبطة به بسبب إغلاق الحقوق، أو عدم أداء الاشتراكات، أو عدم استكمال شروط التصريح. وهنا يتحول التسجيل من ضمانة اجتماعية إلى وضع إداري لا يحمي المواطن عند الحاجة.
هذا الخلل يطرح سؤالا جوهريا حول نجاعة الإصلاح: هل يكفي إدراج المواطن داخل قاعدة بيانات حتى نعتبره مشمولا بالحماية؟ الجواب الذي تقدمه مؤشرات التقرير يميل إلى النفي. فالحماية الاجتماعية لا تقاس فقط ببطاقة أو رقم تسجيل، بل بقدرة المواطن على الولوج إلى العلاج دون عوائق مالية، وباستمرارية حقوقه، وبوضوح المساطر التي تؤطر استفادته.
وتزداد حدة الإشكال حين يتعلق الأمر بالفئات الهشة التي جرى تصنيف بعضها ضمن القادرين على أداء الاشتراكات، رغم أن وضعها الاقتصادي لا يسمح بذلك عمليا. فبدل أن تتحول المنظومة إلى آلية لتخفيف الهشاشة، يجد عدد من المواطنين أنفسهم أمام التزامات مالية تعمق هشاشتهم، وتدفعهم إلى الخروج الفعلي من دائرة الاستفادة، رغم بقائهم داخل دائرة التسجيل.
أما التعويضات العائلية، فقد كشفت بدورها عن تعثر واضح في التنزيل. فالتأخر في إخراج النصوص المنظمة، والارتباط المعقد بين الدعم المباشر ووضعية التغطية الصحية، جعلا جزءا من الأسر المستحقة يصطدم بمساطر وديون وشروط تقنية، بدل أن يجد أمامه آلية اجتماعية سلسة تضمن الحد الأدنى من الحماية.
الأمر هنا لا يتعلق بإخفاق عابر في التنفيذ، بل بخلل أعمق في هندسة الورش. فقد نجح الإصلاح في توسيع الواجهة الرقمية والإدارية للحماية الاجتماعية، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل هذا التوسع إلى أثر ملموس في حياة الفئات المستهدفة.





