
بشرى عطوشي
تحليل_ مع كل موسم جامعي جديد، يتكرر المشهد نفسه في المغرب؛ آلاف التلاميذ والطلبة وأولياء أمورهم يبحثون عن منح دراسية وفرص لمتابعة التعليم العالي خارج الوطن، في ظل تدفق هائل للمعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإعلانات مكاتب الوساطة، ومنصات غير رسمية، دون وجود مرجع وطني موحد يوفر معلومات دقيقة ومحدثة حول الجامعات والتخصصات وشروط الولوج والاعتراف بالشهادات.
ورغم أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار تضطلع بمهام الإشراف على قطاع التعليم العالي والتعاون الأكاديمي الدولي، فإن الطلبة ما يزالون يواجهون صعوبة في الوصول إلى معلومات شاملة ومبسطة حول المنح الحكومية والاتفاقيات الثنائية التي تربط المغرب بعدد من الدول، إضافة إلى شروط القبول، ومتطلبات التأشيرة، وإجراءات معادلة الشهادات بعد العودة إلى أرض الوطن.
غياب منصة رسمية للمقارنة بين الجامعات
وتزداد أهمية هذا الملف مع اتساع الوجهات الدراسية أمام الطلبة المغاربة. فلم تعد الدراسة في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا هي الخيار الوحيد، بل أصبحت دول أوروبا الشرقية مثل المجر ورومانيا وبولندا والتشيك وسلوفاكيا، إلى جانب الصين وكوريا الجنوبية واليابان وماليزيا وتركيا والهند، تستقطب أعداداً متزايدة من الطلبة المغاربة بفضل جودة برامجها الأكاديمية وتنوع التخصصات وانخفاض تكاليف الدراسة مقارنة ببعض الدول الغربية.
غير أن تنوع الوجهات يقابله نقص واضح في التأطير المؤسساتي. فالكثير من الطلبة يعتمدون على تجارب شخصية منشورة عبر الإنترنت أو على مكاتب خاصة قد تقدم معلومات غير مكتملة أو تركز على جامعات معينة لأسباب تجارية، بينما تغيب منصة رسمية تقدم مقارنة موضوعية بين الجامعات، ومستوى الاعتراف الدولي بها، ولغة التدريس، وتكاليف المعيشة، وفرص التشغيل بعد التخرج.
كما يواجه عدد من الطلبة تحديات مرتبطة باختيار تخصصات لا تتوافق مع حاجيات سوق الشغل المغربي أو لا تحظى باعتراف مهني كامل عند العودة، وهو ما يطرح الحاجة إلى مواكبة استباقية قبل السفر، بدل الاكتفاء بإجراءات معادلة الشهادات بعد انتهاء الدراسة.
وفي العديد من الدول، تؤدي وزارات التعليم أو الهيئات الوطنية المختصة دوراً استشارياً متكاملاً، من خلال بوابات إلكترونية تفاعلية، وأدلة سنوية للمنح، ولقاءات تعريفية داخل المؤسسات التعليمية، وخدمات للإرشاد الأكاديمي تساعد الطالب على اتخاذ قرار مبني على معطيات دقيقة، وليس على الإعلانات المتداولة أو التجارب الفردية.
ومن هذا المنطلق، يبرز تساؤل حول إمكانية تطوير الدور التنسيقي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بالمغرب عبر إطلاق منصة وطنية موحدة تضم جميع فرص المنح المتاحة، سواء المقدمة من الحكومات الأجنبية أو الجامعات أو المنظمات الدولية، مع تصنيفها حسب الدولة والتخصص ولغة الدراسة ومستوى التكوين، وإرفاقها بمعلومات رسمية حول الاعتراف بالشهادات وإجراءات التسجيل والتأشيرة والإقامة.
تغييب التوجيه الدولي
كما يمكن للوزارة، بشراكة مع وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، والوكالة المغربية للتعاون الدولي، والجامعات المغربية، تنظيم قوافل سنوية وملتقيات وطنية للتوجيه الدولي، تستضيف ممثلين عن الجامعات الأجنبية والسفارات، بما يتيح للطلبة التواصل المباشر مع المؤسسات الأكاديمية والحصول على معلومات موثوقة بعيداً عن الإشاعات أو التسويق التجاري.
ولا يتعلق الأمر فقط بتسهيل ولوج الطلبة إلى الدراسة بالخارج، بل أيضاً بحماية الأسر المغربية من الوقوع ضحية معلومات مضللة أو وعود غير واقعية، وترشيد اختيارات الطلبة بما ينسجم مع مشاريعهم المهنية واحتياجات الاقتصاد الوطني.
توفير المعلومة الصحيحة خير من منح مقعد في جامعة أجنبية
إن الاستثمار في الرأسمال البشري لا يبدأ بمنح الطالب مقعداً في جامعة أجنبية، بل يبدأ بتوفير المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب. فكل قرار أكاديمي خاطئ قد يكلف الأسرة سنوات من الجهد والموارد، بينما يمكن لمنظومة وطنية فعالة للإرشاد والتوجيه أن تجعل الدراسة بالخارج امتداداً للسياسة الوطنية في تكوين الكفاءات، لا مجرد مغامرة فردية تحكمها الصدفة أو الإعلانات غير الموثقة.
ولعل المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق تدبير ملفات المنح إلى بناء سياسة وطنية متكاملة للدبلوماسية الأكاديمية، تجعل الطالب المغربي شريكاً في تعزيز حضور المملكة داخل الجامعات العالمية، وفي الوقت نفسه تضمن له مساراً تعليمياً واضحاً، قائماً على الشفافية، وجودة المعلومة، والتوجيه الرشيد.





