
بشرى عطوشي
تحليل_ في كل مرة تدخل فيها هيئة أو أكثر من هيئات المحامين في إضراب مهني، تتجه الأنظار تلقائياً إلى طبيعة المطالب وأسباب الاحتقان بين الجسم المهني والسلطات العمومية. غير أن زاوية أخرى، غالباً ما تبقى بعيدة عن دائرة النقاش، تتعلق بالطرف الذي لا يملك صوتاً منظماً للدفاع عن مصالحه، وهو المتقاضي الذي يجد نفسه في مواجهة تأجيلات متكررة، وجلسات تمر في غياب الدفاع، وآجال قضائية تتسع على حساب حقوقه ومصالحه الشخصية والاقتصادية.
فالمحامي يعد أحد الأعمدة الأساسية لمنظومة العدالة، ويكفل الدستور والقوانين المنظمة للمهنة استقلاليته وحقه في الدفاع عن مصالحه المهنية. غير أن استمرار الإضرابات لفترات متقاربة أو ممتدة يطرح سؤالاً قانونياً وأخلاقياً حول كيفية التوفيق بين الحق في الاحتجاج وبين حق المواطن في الولوج إلى العدالة داخل أجل معقول، وهو حق أصبح يشكل بدوره أحد المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة في المواثيق الدولية وفي التشريعات الوطنية.
تزامن الإضرابات مع العطلة القضائية
وخلال الفترات التي تعرف توقفاً عن العمل، تتراكم الملفات أمام المحاكم، وتتأجل قضايا مدنية وتجارية وأسرية وزجرية، بينما يبقى آلاف المتقاضين في حالة انتظار قد تمتد لأسابيع أو أشهر. ويزداد الأمر حساسية عندما تتزامن هذه الإضرابات مع نهاية الموسم القضائي، حيث كانت العديد من الملفات مهيأة للمداولة أو للنطق بالأحكام قبل حلول العطلة القضائية، لتجد نفسها مرحّلة إلى دورة قضائية جديدة، بما يترتب عن ذلك من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية على أصحابها.
وتبرز الإشكالية بصورة أكبر عندما تستمر بعض الجلسات في الانعقاد، أو يتم اتخاذ إجراءات مسطرية رغم غياب الدفاع في بعض الملفات التي لا يفرض القانون فيها الحضور الإلزامي للمحامي، وهو وضع يثير نقاشاً قانونياً حول مدى تأثير ذلك في تكافؤ الفرص بين الخصوم، وفي قدرة الأطراف على عرض دفوعهم وممارسة حقوق الدفاع بصورة كاملة. ويختلف الأثر القانوني لهذه الحالات بحسب طبيعة الدعوى والإطار القانوني المنظم لها، إلا أن النتيجة العملية بالنسبة للمتقاضي تبقى واحدة: شعور بعدم اليقين بشأن مسار قضيته.
كما أن طول أمد النزاعات لا ينعكس فقط على الأفراد، بل يمتد إلى مناخ الاستثمار. فالمقاولات والمستثمرون، سواء الوطنيون أو الأجانب، يراقبون كذلك مؤشرات سرعة البت في المنازعات التجارية واستقرار المرفق القضائي، باعتبارها من العناصر المؤثرة في الثقة بالبيئة القانونية والاقتصادية.
تعطل آليات الحوار المؤسساتي بين وزارتي العدل وجمعية هيئات المحامين
ومن زاوية تدبير المرفق العام، فإن تكرار حالات الشلل الجزئي داخل المحاكم يطرح تساؤلات حول فعالية آليات الحوار المؤسساتي بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين وباقي المتدخلين. فاللجوء إلى الإضراب يعكس وجود اختلال في قنوات التفاوض، بينما استمرار الوضع دون حلول سريعة يجعل المواطن يؤدي كلفة الخلاف، رغم أنه ليس طرفاً فيه.
وفي التجارب المقارنة، تسعى العديد من الأنظمة القضائية إلى إرساء آليات توازن بين حق أصحاب المهن القضائية في الاحتجاج وضمان استمرارية الحد الأدنى من الخدمات القضائية، خصوصاً في القضايا المستعجلة، والملفات المرتبطة بالحريات، والقضايا التي يترتب عن تأجيلها ضرر جسيم للأطراف. ويهدف هذا التوازن إلى حماية حقين دستوريين متوازيين: حق المهنيين في الدفاع عن مطالبهم، وحق المواطنين في عدالة ناجزة وفعالة.
تعثر العلاقة بين المؤسسات والفاعلين المهنيين ..المواطن يدفع الثمن
إن النقاش الحقيقي اليوم لم يعد يقتصر على أسباب الإضرابات أو مشروعيتها، وإنما ينبغي أن يمتد إلى كيفية حماية المتقاضي من آثارها. فالثقة في العدالة لا تُبنى فقط بجودة الأحكام، وإنما أيضاً بانتظام سير المحاكم، واحترام الآجال المعقولة، وضمان ألا يتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف كلما تعثرت العلاقة بين المؤسسات والفاعلين المهنيين.
وفي نهاية المطاف، تبقى العدالة خدمة عمومية ذات طبيعة خاصة، لا تحتمل أن يكون المتقاضي ضحية جانبية لخلافات مهنية مهما كانت مشروعيتها. فكل يوم تأخير في قضية أسرة، أو نزاع شغل، أو ملف تجاري، أو دعوى جنائية، قد يعني بالنسبة لصاحبها خسارة لا يعوضها أي حكم يصدر لاحقاً. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إرساء مقاربة مؤسساتية تجعل الحوار المبكر، وآليات الوساطة، والتدبير الاستباقي للأزمات، جزءاً من هندسة العدالة، بما يحفظ كرامة المحامي، وهيبة القضاء، ويصون قبل كل شيء حقوق المواطن الذي وُجدت العدالة أساساً من أجله.





