السيناريست بشرى ملاك تصف مكناس بـ”المحتضرة” وتدعو لتحمل المسؤولية الجماعية

حسين العياشي

سجّلت مدينة مكناس عودة قوية إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما فجّرت تصريحات السيناريست المغربية بشرى ملاك موجة واسعة من الجدل، عقب وصفها وضع المدينة بـ”المحتضرة”، في تعبير صادم استحضر تاريخها العريق كعاصمة إسماعيلية ومركز للإشعاع الثقافي والروحي، قبل أن يضع واقعها الحالي تحت مجهر التساؤل والانتقاد.

ولم يكن توصيف ملاك مجرد موقف عابر، بل جاء محمّلاً بشحنة وجدانية واضحة، وهي تتحدث عن مدينة ارتبطت بها شخصياً، نشأةً وحياةً ومساراً مهنياً، قبل أن تعبّر بأسى عن التحولات التي طالتها، قائلة إنها ترى مكناس “تموت يوماً بعد يوم”. وبين الماضي المشرق والحاضر المقلق، رسمت المتحدثة صورة لمدينة تعيش، بحسب تعبيرها، وضعاً “غريباً”، لا هي قرية تحتفظ ببساطتها، ولا مدينة تواكب متطلبات التحديث، في إشارة إلى مظاهر التدهور التي باتت تفرض نفسها في الفضاء الحضري، من انتشار الحفر إلى ضعف الإنارة في عدد من الأحياء.

هذا التشخيص لم يقف عند حدود البنية التحتية، بل امتد إلى أحد أبرز مفاتيح الإقلاع الاقتصادي للمدينة، وهو القطاع السياحي. فمكناس، رغم ما تزخر به من مؤهلات تاريخية ومعمارية وثقافية، لم تعد، وفق تعبير ملاك، قادرة على استبقاء الزوار، حيث يكتفي السائح بزيارات خاطفة دون المبيت، وهو ما اعتبرته مؤشراً على خلل عميق في تسويق الوجهة السياحية وفي تثمين مؤهلاتها.

وفي خضم هذا النقد، وسّعت السيناريست دائرة المسؤولية، رافضة حصرها في الجهات المنتخبة أو السلطات المحلية فقط، لتشمل أيضاً أبناء المدينة ونخبها داخل المغرب وخارجه. ودعت إلى تجاوز منطق التذمر والحنين إلى الماضي، نحو الانخراط الفعلي في مسارات التنمية، كل من موقعه، معتبرة أن التغيير لا يمكن أن يتحقق دون وعي جماعي ومسؤولية مشتركة، تبدأ من المشاركة السياسية الواعية واختيار ممثلين قادرين على إحداث الفرق.

وخلال النقاش ذاته، عاد الحديث إلى بعض التظاهرات الثقافية التي كانت تشكل جزءاً من هوية المدينة، حيث استُحضر مهرجان المسرح الذي كان يستقطب اهتماماً فنياً وثقافياً، قبل أن يتوقف تنظيمه بمكناس ويتم نقله إلى مدينة أخرى، في مؤشر إضافي، بحسب المتدخلين، على تراجع إشعاع المدينة الثقافي وفقدانها لبعض مواقعها الرمزية.

وتعيد هذه التصريحات الجريئة إحياء نقاش قديم متجدد حول واقع التنمية بمدينة مكناس، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي تثار فيها مثل هذه الانتقادات. فقد سبق أن فجّرت مواقف إعلامية مماثلة جدلاً واسعاً، قوبلت حينها بردود فعل رسمية غاضبة، اعتبرت تلك الانتقادات تبخيساً لمجهودات المجالس المنتخبة وتحاملاً على منجزاتها.

وبين من يرى في هذه التصريحات جرس إنذار ضرورياً لكشف الاختلالات، ومن يعتبرها مبالغة لا تنصف ما تحقق من مكتسبات، تظل مكناس في قلب معادلة صعبة، تتأرجح بين ماضٍ غني بالإرث الحضاري، وحاضر يطرح أسئلة ملحّة حول مسارات التنمية وآفاق استعادة بريق مدينة كانت، يوماً ما، من أبرز الحواضر المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى