كيف تعكس المراجعة الأمريكية لبعثات الأمم المتحدة تحولا في مقاربة ملف الصحراء المغربية؟ (حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر
في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات في مواقف القوى الكبرى من عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، يبرز ملف الصحراء المغربية كأحد أبرز القضايا التي تعرف إعادة تموضع في مقاربات الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هذا الإطار، أثارت التصريحات الأخيرة لسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة بشأن مراجعة صلاحيات بعثات حفظ السلام، وفي مقدمتها بعثة المينورسو، نقاشاً واسعاً حول حدود هذا التحول ودلالاته السياسية والاستراتيجية.
ويأتي هذا المستجد في وقت تتعزز فيه المؤشرات الدبلوماسية التي توحي بإعادة تقييم أدوار الأمم المتحدة في تدبير النزاعات الطويلة الأمد، مع تصاعد الدعوات داخل دوائر القرار الأمريكي إلى اعتماد مقاربات أكثر نجاعة وفعالية.
وهو ما يجعل من هذا الملف مدخلاً مهماً لفهم طبيعة التحول في الرؤية الأمريكية، وانعكاساته المحتملة على مستقبل بعثة المينورسو ومسار التسوية السياسية في قضية الصحراء المغربية، قبل الانتقال إلى قراءة تحليلية أعمق في هذا الحوار التالي مع المخلل السياسي رضوان جخا، إليكم نص الحوار:
كيف تقرؤون تصريح سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة حول مراجعة صلاحيات بعثات حفظ السلام، وعلى رأسها بعثة المينورسو؟
أعتقد أن هذا التصريح لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العميقة التي تعرفها السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل عودة المقاربة البراغماتية التي تعطي الأولوية للنتائج الملموسة بدل استمرار الوضعيات الجمودية داخل النزاعات الدولية.
مايك والتز عندما تحدث عن “مراجعة استراتيجية” لبعثات الأمم المتحدة، فهو في الواقع يعكس توجهاً أمريكياً أوسع يهدف إلى إعادة تقييم جدوى هذه البعثات من حيث الكلفة والفعالية والنتائج السياسية على الأرض.
وبالنسبة لبعثة المينورسو، فإن هذا الطرح يكتسي حساسية خاصة، لأنها بعثة تأسست في سياق مختلف تماماً سنة 1991، أي في مرحلة كانت فيها الأمم المتحدة تعتمد بشكل أكبر على تدبير النزاعات دون أفق سياسي واضح.
اليوم، ومع تطور مقاربة مجلس الأمن نحو الحلول الواقعية، أصبح من الطبيعي إعادة النظر في طبيعة هذه البعثات، هل تظل أدوات مراقبة فقط، أم تتحول إلى آليات مرافقة لحلول سياسية واضحة. ومن هنا، فإن التصريح الأمريكي يمكن اعتباره مؤشراً على تحول في فلسفة التعاطي مع ملف الصحراء المغربية داخل المؤسسات الدولية.
لماذا تعتبرون أن هذا التصريح يعكس مقاربة أمريكية جديدة في التعاطي مع النزاعات الدولية؟
لأن السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة في مراحل معينة من الإدارة الجمهورية، أصبحت تقوم على ما يمكن تسميته بـ”البراغماتية الاقتصادية والجيوسياسية”، أي ربط الموقف السياسي بمدى تحقيقه لمصالح استراتيجية واضحة وقابلة للقياس.
لم تعد واشنطن تميل إلى دعم الوضعيات الطويلة الأمد التي لا تنتج حلاً، بل أصبحت تبحث عن إنهاء الملفات العالقة وفق مقاربات عملية.
في هذا السياق، يمكن فهم تصريحات المندوب الأمريكي كجزء من رؤية تعتبر أن بعثات حفظ السلام يجب أن تكون مؤقتة وموجهة نحو نتائج سياسية محددة، وليس مجرد وجود طويل الأمد دون مخرجات.
وهذا التحول مرتبط أيضاً بتزايد الانتقادات داخل الكونغرس الأمريكي حول كلفة هذه البعثات، حيث تساهم الولايات المتحدة بجزء كبير من ميزانية الأمم المتحدة، ما يدفعها إلى المطالبة بمردودية سياسية واضحة مقابل هذا التمويل.
ما علاقة هذا التحول بموقف الولايات المتحدة من قضية الصحراء المغربية؟
العلاقة هنا تبدو وثيقة جداً من حيث التوقيت والسياق، الولايات المتحدة، بصفتها “صاحبة القلم” داخل مجلس الأمن فيما يتعلق بملف الصحراء، تلعب دوراً محورياً في صياغة القرارات الدولية. وبالتالي، أي تحول في رؤيتها لعمل بعثة المينورسو ينعكس تلقائياً على مستقبل تدبير هذا الملف.
من وجهة نظري، هذا التوجه يعزز المقاربة الواقعية التي باتت تطبع النقاش داخل الأمم المتحدة، والتي تقوم على البحث عن حل سياسي قابل للتطبيق، بدل الاستمرار في إدارة نزاع مفتعل دون أفق.
وهنا يبرز مقترح الحكم الذاتي المغربي كخيار يحظى بدعم متزايد داخل دوائر القرار الدولية، باعتباره حلاً وسطاً يجمع بين الواقعية السياسية والاستقرار الإقليمي.
هل يمكن اعتبار هذه المراجعة مقدمة لتغيير أو إنهاء دور بعثة المينورسو؟
من المبكر الجزم بذلك بشكل نهائي، لكن المؤشرات السياسية والدبلوماسية توحي بأن هناك نقاشاً متقدماً حول مستقبل هذه البعثة.
عندما يتم الحديث داخل الكونغرس الأمريكي عن تقليص القوات أو إعادة تقييم مهام البعثات بنسبة تصل إلى 25%، فهذا يعكس توجها نحو إعادة هيكلة شاملة لمنظومة حفظ السلام.
في حالة المينورسو، هناك احتمالان؛ إما إعادة توجيه مهامها لتصبح جزءا من آلية تنزيل الحل السياسي المتوافق عليه، خصوصاً في إطار مقترح الحكم الذاتي، أو في حال استمرار الجمود، قد يتم الدفع تدريجيا نحو إنهاء دورها التقليدي المرتبط بتدبير مرحلة لم تعد قائمة سياسيا، وفي كلتا الحالتين، فإن المنطق الذي يحكم هذا التوجه هو الانتقال من المراقبة إلى الفعالية.
كيف تفسرون ربط هذا التحول بالمشاريع القانونية المطروحة داخل الكونغرس الأمريكي بخصوص تصنيف الكيان الانفصالي؟
هذا الربط يعكس تصاعد التوافق داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، سواء بين الجمهوريين أو الديمقراطيين، حول ضرورة التعامل مع هذا الملف بمنظور أمني وسياسي جديد.
عندما يتم طرح مشاريع قوانين لتصنيف هذا الكيان كجماعة مسلحة أو فرض عقوبات عليه، فهذا يعني أن النقاش لم يعد محصوراً في إطار النزاع التقليدي، بل انتقل إلى زاوية الأمن الإقليمي ومحاربة النفوذ غير المستقر.
كما أن الإشارة إلى علاقات هذا الكيان مع أطراف إقليمية ودولية مثيرة للجدل، تعزز هذا التصور داخل دوائر القرار الأمريكي، وتدفع نحو مقاربة أكثر صرامة. وهذا كله يصب في اتجاه إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في شمال إفريقيا، بما يخدم الاستقرار والشراكات الاستراتيجية.
ما الخلاصة التي يمكن استخلاصها من مجموع هذه التطورات؟
الخلاصة الأساسية هي أن هناك تحولاً تدريجياً ولكن واضحاً في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع ملف الصحراء المغربية ومع آليات الأمم المتحدة بشكل عام. هذا التحول يقوم على ثلاث ركائز: البراغماتية، الفعالية، وتقليص الكلفة دون نتائج.
وفي هذا السياق، يبدو أن المقاربة المغربية القائمة على الحكم الذاتي تجد نفسها في انسجام متزايد مع هذا التوجه الدولي الجديد، خصوصاً مع اتساع دائرة الدعم السياسي والدبلوماسي لها.
وبالتالي، يمكن القول إننا أمام مرحلة انتقالية في التعاطي مع هذا النزاع، قد تفتح الباب أمام تسويات أكثر واقعية خلال السنوات المقبلة.





