هل فقدت الأحزاب السياسية قدرتها على مواكبة العصر ومحاربة الفساد؟(حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر
في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المشهد السياسي والاجتماعي، ومع بروز تحديات جديدة مرتبطة بالرقمنة وتغير أنماط التواصل والتأثير، يطرح بقوة سؤال مدى قدرة الأحزاب السياسية على مواكبة هذا الواقع المتغير.
فبين خطاب تقليدي وبنيات تنظيمية تعود إلى عقود سابقة، وبين جيل جديد يعيش في فضاء مفتوح وسريع الإيقاع، تبرز الحاجة إلى معرفة مآلات الفعل الحزبي ودوره في التأطير والتأثير داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، تتعالى الأصوات الداعية إلى مراجعة شاملة لبنية الأحزاب وأساليب عملها، ليس فقط من أجل تحسين أدائها السياسي، بل أيضا لتعزيز قدرتها على مواجهة تحديات كبرى، وفي مقدمتها محاربة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة.
لمعرفت كل هذا قمنا بحوار مع المحلل السياسي بدر زاهر الازرق، إليكم نص الحوار:
كيف تقيم واقع الأحزاب السياسية اليوم، وما طبيعة الإشكال الحقيقي الذي تعاني منه؟
الإشكال الجوهري لا يكمن في ضعف الأحزاب من حيث المبدأ أو غياب قدرتها على الفعل السياسي، بل يرتبط أساسا بطبيعة بنيتها الحالية التي أصبحت، بحسب تعبيره، بنية تنتمي إلى زمن سابق.
فهذه الأحزاب تشكلت في سياقات تاريخية وسياسية مختلفة، لكنها اليوم تجد نفسها أمام واقع جديد تماما، تحكمه تحولات متسارعة على المستويات الاجتماعية والتكنولوجية والسياسية، وهو ما يجعلها في وضعية غير قادرة بشكل كامل على مواكبة هذا التحول.
وبالتالي، فالأزمة ليست أزمة أشخاص فقط، بل أزمة بنية وأساليب اشتغال وخطاب سياسي يحتاج إلى إعادة نظر عميقة.
لماذا تعتبر أن الأحزاب السياسية أصبحت في حاجة إلى تغيير جذري في بنيتها وأساليب عملها؟
العالم اليوم يعيش مرحلة مختلفة تماما، تتسم بتسارع كبير في وسائل التواصل والتأثير، وبحضور قوي للرقمنة والذكاء الاصطناعي في تشكيل الرأي العام.
في هذا السياق، لم تعد الأساليب التقليدية للأحزاب السياسية قادرة على تحقيق نفس التأثير أو الاستقطاب كما في السابق.
لذلك، هذه الأحزاب مدعوة بشكل عاجل إلى مراجعة بنيتها الداخلية، وإعادة النظر في طرق تواصلها وخطابها السياسي، إضافة إلى تطوير آليات اشتغالها بما يسمح لها بالعودة إلى الساحة بقوة وتأثير أكبر، بدل الاكتفاء بأدوار محدودة أو تقليدية.
ما علاقة تجديد الأحزاب بقدرتها على التأثير والاستقطاب في المجتمع؟
حسب نفس التصور، فإن القدرة على التأثير السياسي لم تعد مرتبطة فقط بالشعارات أو الخطابات التقليدية، بل أصبحت تعتمد بشكل كبير على مدى قدرة الأحزاب على التفاعل مع المجتمع الجديد، وخاصة فئة الشباب.
فهذه الفئة تعيش في فضاء رقمي مفتوح وسريع، وتتأثر بخطابات حديثة ومرنة، ما يجعل الأحزاب التقليدية في حاجة إلى تجديد أدواتها حتى تتمكن من الاستقطاب والتأثير الفعلي.
لذلك، فإن تجديد البنية الحزبية لم يعد مجرد خيار تنظيمي، بل أصبح شرطا أساسيا لاستعادة الثقة والفاعلية داخل المجتمع.
كيف يمكن للأحزاب أن تساهم في محاربة الفساد من داخلها؟
معركة محاربة الفساد لا يمكن أن تنجح فقط عبر الخطابات العامة أو الإجراءات الحكومية، بل تبدأ أساسا من داخل التنظيمات السياسية نفسها. فالأحزاب، باعتبارها فاعلا مركزيا في الحياة السياسية، مطالبة بأن تكون نموذجا في الشفافية والحكامة الجيدة داخل بنياتها الداخلية، سواء على مستوى التسيير أو اتخاذ القرار أو تدبير الخلافات.
فإذا لم تستطع هذه الأحزاب إصلاح نفسها من الداخل، فإن قدرتها على محاربة الفساد على المستوى العام ستظل محدودة وضعيفة التأثير.
ما الدور الذي يجب أن يلعبه الشباب في هذا التحول السياسي؟
إشراك الشباب في مراكز القرار داخل الأحزاب السياسية يشكل عنصرا أساسيا في أي عملية إصلاح حقيقية. فالشباب، في نظره، يمثلون طاقة تجديد حقيقية، قادرين على إدخال أفكار جديدة وأساليب عمل أكثر حداثة ومرونة.
كما أن تمكينهم من القيادة داخل الأحزاب من شأنه أن يعيد الحيوية للعمل السياسي، ويساهم في تقوية جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات الحزبية، خاصة في ظل حالة الفتور التي يعرفها المشهد السياسي حاليا.
ما الخلاصة التي يمكن استخلاصها من هذا الطرح بخصوص مستقبل الأحزاب ومحاربة الفساد؟
مستقبل الأحزاب السياسية في المغرب، وقدرتها على المساهمة في محاربة الفساد، مرتبطان بشكل مباشر بمدى استعدادها لإجراء إصلاحات عميقة في بنيتها وأساليب عملها.
فالإصلاح لا يمكن أن يكون خارجيا فقط، بل يجب أن يبدأ من الداخل عبر ترسيخ قيم الشفافية والمسؤولية وتجديد النخب، قبل أن يمتد إلى مستوى الفعل الحكومي والسياسات العمومية.
وبهذا المعنى، فإن أي تغيير حقيقي يظل رهينا بإرادة داخلية شاملة تنطلق من الأحزاب نفسها وتمتد إلى المجتمع المدني وباقي الفاعلين.





