العلاقات المغربية الإسبانية في مرحلة استثنائية.. وملف الثغرين المحتلين تحت تدبير دبلوماسي هادئ

أميمة حدري
تشهد العلاقات المغربية الإسبانية خلال المرحلة الراهنة دينامية متصاعدة توصف بالاستثنائية، في ظل تقارب سياسي واضح وإرادة مشتركة لتعزيز الشراكة الإستراتيجية بين الرباط ومدريد، بما يعكس تحولا نوعيا في مسار العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوترات الظرفية.
ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي ودولي متغير، يفرض على البلدين إعادة ترتيب أولوياتهما على أساس المصالح المشتركة والتحديات العابرة للحدود، خاصة في مجالات الأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، يبرز حرص الطرفين على ترسيخ نموذج متقدم من التعاون، قائم على التنسيق المستمر وتبادل المصالح، وهو ما تجسد في المواقف السياسية المتبادلة، وفي مقدمتها دعم إسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب كحل للنزاع حول الصحراء، الأمر الذي شكل منعطفا حاسما في إعادة بناء الثقة بين البلدين، وفتح آفاقا أوسع لتطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.
ورغم هذا التقارب اللافت، يظل ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين حاضرا في خلفية المشهد، باعتباره من القضايا السيادية التي يتمسك بها المغرب ضمن ثوابته الوطنية، غير أن تدبير هذا الملف يتم بمنهجية دبلوماسية هادئة تقوم على الفصل بين مسار تطوير العلاقات الإستراتيجية مع إسبانيا وبين المطالب التاريخية المرتبطة باستكمال الوحدة الترابية.
ويعكس هذا التوجه مقاربة واقعية تتبناها الرباط، تراهن من خلالها على تراكم الثقة وتعزيز الاندماج الاقتصادي كمدخل لمعالجة القضايا العالقة.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الإسبانية بشكل متكرر موقفها الثابت من السيادة على المدينتين، معتبرة إياهما جزءا لا يتجزأ من ترابها الوطني، وهو موقف يستند إلى مرجعياتها الدستورية والقانونية، ويعكس بدوره حساسية هذا الملف داخل المشهد السياسي الإسباني.
ومع ذلك، لم يمنع هذا التباين في المواقف من استمرار الحوار بين الطرفين، حيث يحرص الجانبان على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، والعمل على تدبير الخلافات ضمن مقاربة تدريجية لا تؤثر على جوهر العلاقات الثنائية.
ويؤكد متتبعون أن المرحلة الحالية من العلاقات المغربية الإسبانية تتسم بقدر كبير من البراغماتية السياسية، حيث يتم التركيز على الملفات ذات الأولوية، وفي مقدمتها التعاون الأمني ومحاربة الهجرة غير النظامية، إلى جانب تعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية، التي تعرف بدورها نموا ملحوظا، مدعوما بموقع البلدين كجسر استراتيجي يربط بين أوروبا وإفريقيا.
كما أن التحضيرات المشتركة لتنظيم تظاهرات دولية كبرى، من قبيل كأس العالم 2030، تعزز هذا التوجه نحو بناء شراكة متعددة الأبعاد.
وفي هذا السياق، يبدو أن الرباط ومدريد اختارتا اعتماد مقاربة تقوم على تدبير الملفات الخلافية بعيدا عن التصعيد، مقابل الدفع بالعلاقات نحو مستويات أعلى من التكامل والتنسيق، وهو ما يمنح هذه الشراكة طابعا استراتيجيا يتجاوز الاعتبارات الظرفية. ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره خيارا واقعيا يهدف إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على الثوابت الوطنية والانخراط في دينامية إقليمية قائمة على التعاون والاندماج.
وبناء على ذلك، يستمر ملف سبتة ومليلية في الحضور كقضية مؤجلة ضمن الأجندة غير المعلنة للعلاقات الثنائية، حيث يتم التعاطي معه في إطار دبلوماسي هادئ، يراعي حساسية السياق السياسي لدى الطرفين، دون أن يلغي في الآن ذاته تمسك المغرب بمطالبه السيادية.





