الذكاء الاصطناعي بين المجانية الظاهرية والتكلفة الخفية

فاطمة الزهراء ايت ناصر

رغم أن العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي تُقدَّم في صورة خدمات مجانية أو منخفضة التكلفة، فإن المقابل الحقيقي لا يظهر مباشرة للمستخدمين، بل يتجلى في ما يمكن وصفه بقتصاد البيانات، حيث تصبح البيانات التي ينتجها المستخدمون هي الثمن غير المعلن.

فكل تفاعل مع هذه الأنظمة يُوظف في تدريب النماذج وتحسين أدائها، ما يثير إشكالات متزايدة حول السيادة الفكرية وحقوق الملكية، ومن المستفيد الفعلي من القيمة المنتَجة رقمياً.

في ظل التوسع المتسارع لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في مختلف القطاعات، من الإعلام إلى الاقتصاد والخدمات، بدأت تتكشف جوانب أقل إشراقاً لهذه الثورة التقنية.

فقد أشارت دراسة مرجعية حديثة نشرتها مجلة Nature إلى ما وصفته بـ”التكلفة الخفية” للذكاء الاصطناعي، وهي تكلفة متعددة الأبعاد تمتد من البيئة إلى الاقتصاد وصولاً إلى البنية المعرفية للمجتمعات.

فعلى المستوى البيئي، لم يعد بالإمكان التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خدمة غير مادية أو مجرد سحابة رقمية، إذ تعتمد هذه التقنيات على بنية تحتية ضخمة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة.

وتشير المعطيات إلى أن عملية تدريب نموذج لغوي كبير واحد قد تنتج ما يصل إلى 600 ألف رطل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل البصمة الكربونية لمئات الرحلات الجوية، إضافة إلى ما يرافق التطور السريع للعتاد الحاسوبي من تضخم في النفايات الإلكترونية بسبب تقادم الأجهزة بوتيرة متسارعة.

ومن بين المفاهيم التي سلطت الدراسة الضوء عليها أيضاً ما يُعرف بضريبة إعادة العمل، حيث تضطر المؤسسات إلى تخصيص نحو 1.7% من إيراداتها لمعالجة أخطاء أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصا ما يُعرف بالهلوسات التي تنتج عنها معلومات غير دقيقة.

وتشمل هذه الكلفة مراجعة المخرجات وتصحيحها والتحقق من موثوقيتها، ما يطرح تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية الحقيقية لهذه التقنيات مقارنة بالوعود المرتبطة بها.

أما على المستوى المعرفي، فتشير الدراسة إلى ظاهرة التفريغ المعرفي، حيث يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى تراجع تدريجي في المهارات التحليلية لدى الأفراد.

ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الاعتماد إلى نوع من التبعية التي تحد من القدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار المستقل، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات.

وفي السياق ذاته، يبرز جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق بالعمالة غير المرئية التي تقف خلف تحسين هذه الأنظمة. إذ تعتمد الشركات على آلاف العمال في دول مختلفة لتصنيف البيانات وتنقيحها، أحياناً في ظروف صعبة ومقابل أجور محدودة، بما في ذلك التعامل مع محتويات صادمة أو حساسة. هؤلاء يشكلون جزءاً أساسياً من سلسلة القيمة الرقمية، رغم بقائهم خارج الصورة العامة للتكنولوجيا.

وتخلص الدراسة في مجملها إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية محايدة أو هبة رقمية مجانية، بل هو نظام اقتصادي ومعرفي وبيئي معقد يقوم على استهلاك موارد مادية وبشرية كبيرة.

كما تؤكد أن استدامة هذا النموذج تظل مرتبطة بمدى الشفافية التنظيمية، وقدرة الدول والمجتمعات على وضع أطر قانونية وأخلاقية توازن بين الابتكار وحماية الحقوق والموارد.

وفي النهاية، يتجاوز النقاش حول الذكاء الاصطناعي سؤال ما يمكن أن يقدمه من فوائد، ليطرح بإلحاح سؤالاً أعمق يتعلق بما يترتب عنه من كلفة شاملة، بيئية واقتصادية ومعرفية، في عالم يتجه بسرعة نحو تعميم الرقمنة والاعتماد المتزايد على الخوارزميات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى