المغرب يرسخ عدالة جنائية حديثة.. تنسيق قضائي أمني من مراكش لتجويد البحث وصون الحقوق

مديحة المهادنة

خبر_بخطوة تؤكد نضج التنسيق القضائي والأمني بالمغرب، احتضنت مدينة مراكش يومي 2 و3 يوليوز 2026 لقاء وطنيا رفيع المستوى حول “آليات تجويد البحث الجنائي في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية”، في محطة لم تكن مجرد نقاش قانوني حول تعديل تشريعي، بل إعلانا عن مرحلة جديدة في تدبير العدالة الجنائية، عنوانها توحيد الرؤية بين رئاسة النيابة العامة، والمديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، وقيادة الدرك الملكي، وتعزيز فعالية البحث الجنائي بضمانات أوضح لحماية الحقوق والحريات

حضور الوكلاء العامين للملك، وولاة الأمن، ورؤساء الأمن الجهوي والإقليمي، والمسؤولين الجهويين للدرك الملكي، منح اللقاء طابعا عمليا واضحا، إذ انصب النقاش على الملفات التي تمس جوهر العدالة الجنائية اليومية: تدبير الشكايات والوشايات، ترشيد الإجراءات المقيدة للحرية، تفعيل الأبحاث المالية الموازية، واعتماد تقنيات البحث الخاصة ضمن ضوابط قانونية دقيقة توازن بين فعالية التحريات وصون الحقوق والحريات.

الكلمات الافتتاحية، التي ألقاها رئيس النيابة العامة وممثلا المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني وقائد الدرك الملكي، شددت على أن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل اختلافا في التأويل أو تباينا في الإجراء، بقدر ما تفرض توحيد الفهم، وتحصين الممارسة، وضمان تنزيل سليم للمستجدات التشريعية. فالرهان لم يعد محصورا في جودة النص القانوني، بل في قدرة المؤسسات المعنية على تحويله إلى ممارسة ميدانية واضحة، منسجمة، وقابلة للتتبع.

أولى الجلسات خصصت لتقييم مسار التنسيق المؤسساتي وتنفيذ توصيات اللقاءات السابقة. الحصيلة أبرزت تطورا في تدبير الشكايات والمحاضر، وتتبع الأبحاث، وتقليص المخلف، ومراجعة برقيات البحث، لكنها أكدت في المقابل الحاجة إلى آلية أكثر انتظاماً لرصد الإشكالات العملية وتصنيفها ومعالجتها. ومن أبرز التوصيات إحداث آلية مركزية مشتركة لتلقي الصعوبات القانونية والتقنية والعملياتية، وتحيين الدليل العملي لتجويد الأبحاث الجنائية، وتسريع الرقمنة والتبادل اللامادي للمعطيات بين النيابات العامة ومصالح الشرطة القضائية.

ملف الشكايات والمحاضر احتل موقعا أساسيا داخل النقاش، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بثقة المواطن في مسار العدالة. التوصيات دعت إلى إعداد دليل مرجعي للآجال الاسترشادية حسب طبيعة الأبحاث والإجراءات، وإلى جعل تعليمات النيابة العامة أكثر دقة ووضوحا حتى لا تعاد المحاضر بسبب نقص في عناصر البحث. كما جرى التأكيد على ضرورة تضمين بيانات الاتصال الخاصة بالمشتكين والضحايا، من أرقام هاتفية وعناوين إلكترونية وعناوين كاملة، لتسهيل استدعائهم وإشعارهم بمآل شكاياتهم عبر آلية الرسائل النصية.

الإجراءات المقيدة للحرية شكلت أحد أكثر المحاور حساسية. النقاش ركز على الحراسة النظرية، والاحتفاظ المؤقت بالأحداث، والمراقبة القضائية، ونقل الموقوفين، والتحقق من الهوية، واستنطاق المشتبه فيهم بمقار الشرطة القضائية. التوصيات شددت على الطابع الاستثنائي لهذه التدابير، وعلى عدم اللجوء إليها إلا عند توفر موجباتها القانونية والواقعية، مع استحضار قرينة البراءة والمصلحة الفضلى للطفل. كما جرى التنبيه إلى أن إيقاف شخص بناء على برقية بحث لا يعني تلقائياً وضعه تحت الحراسة النظرية، بل يستوجب أولاً التحقق من سبب البرقية، والاطلاع على أساسها، والتأكد من استمرار مبرراتها.

برقيات البحث كانت بدورها تحت مجهر التقييم. اللقاء أوصى بأن ترتكز أوامر نشرها على معطيات قانونية وواقعية جدية، وأن تبادر النيابات العامة إلى إلغائها عند انتفاء موجباتها، سواء بسبب إلقاء القبض على المعني بالأمر أو تقادم الجرائم أو العقوبات. كما شدد على ضرورة التنسيق الفوري عند إيقاف شخص موضوع عدة برقيات بحث صادرة عن مصالح مختلفة، حتى تتم معالجة جميع القضايا المرتبطة به دون تضارب أو تعدد غير مبرر في الإجراءات.

الأبحاث المالية الموازية عكست اتجاهاً واضحاً نحو تطوير أدوات مواجهة الجريمة ذات العائد المالي. التوصيات دعت إلى تعزيز تكوين قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية في تتبع العائدات الإجرامية، والعملات الرقمية، ومسارات الأموال العابرة للحدود، واعتماد نموذج موحد لمحضر البحث المالي الموازي، وإحداث نظام وطني لتتبع الأموال محل البحث. كما تم التأكيد على أهمية التنسيق مع المؤسسات البنكية والمالية والهيئة الوطنية للمعلومات المالية لتسريع الحصول على المعطيات قبل تهريب الأموال أو إخفائها.

ولأن مكافحة الجريمة المالية لا ينبغي أن تتحول إلى مساس غير مبرر بالحقوق، شدد اللقاء على ضرورة اعتماد مقاربة دقيقة في الحجز والتجميد والعقل، تقوم على حصر الأموال والممتلكات التي يشتبه في علاقتها بالجريمة، مع حماية أموال الغير حسن النية. كما دعت التوصيات إلى بلورة توجيهات واضحة لتدبير الأموال والممتلكات المحجوزة أو المجمدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمقاولات أو أصول اقتصادية، بما يحفظ قيمتها ولا يضر بالأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها.

تقنيات البحث الخاصة حضرت باعتبارها واجهة جديدة في مواجهة أنماط إجرامية أكثر تعقيداً. اللقاء أوصى بتكوين مستمر حول شروط اللجوء إلى هذه التقنيات وضوابطها القانونية، وإعداد دلائل عملية بشأن تحديد المواقع، والتقاط الصور والأصوات، واعتراض المكالمات والاتصالات. كما جرى التأكيد على توحيد طرق حفظ المعطيات والأدلة الرقمية، وتوثيق مراحل الحصول على الدليل ومعالجته وحفظه إلى حين عرضه على القضاء.

خلص اللقاء الى ان تجويد البحث الجنائي في المغرب لم يعد مسارا تقنيا محدودا، بل أصبح ورشا مؤسساتيا مفتوحا على القضاء والأمن والدرك والرقمنة والتكوين والتعاون البنكي والمالي والدولي. وبين مستجدات النص القانوني وتعقيدات الميدان، اختارت المؤسسات المعنية أن تجعل من مراكش نقطة تثبيت لقواعد جديدة في العدالة الجنائية؛ قواعد عنوانها النجاعة دون تعسف، والتحري دون مساس بالضمانات، والسرعة دون تفريط في الحقوق.

ة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى