
المهدي سابق
خبر _ عاد إقليم الفقيه بن صالح إلى دائرة الأزمات المرتبطة بقطاع النقل العمومي، بعدما توقفت الشركة المفوض لها تدبير المرفق عن تقديم خدماتها بشكل شبه كلي، مكتفية بتشغيل عدد محدود من الحافلات لا يغطي حاجيات المواطنين، خاصة على الخط الرابط بين الفقيه بن صالح وبني ملال، وهو ما تسبب في ارتباك كبير في تنقلات التلاميذ والطلبة والموظفين والعمال، وأعاد إلى الواجهة مطالب الساكنة بضرورة إيجاد حل عاجل يضمن استمرارية هذا المرفق الحيوي.
وتأتي هذه التطورات في سياق سنوات من الانتقادات التي طالت جودة خدمات النقل بالإقليم، بسبب تهالك الأسطول، وضعف عدد الحافلات، والانقطاعات المتكررة، وارتفاع أسعار التذاكر، الأمر الذي جعل أزمة النقل واحدة من أبرز الإشكالات التي تؤرق سكان الإقليم.
وفي تصريح خص به “إعلام تيفي”، كشف صلاح الدين كمال، رئيس المجلس الإقليمي للفقيه بن صالح، أن الوضع الحالي يرتبط بالمرحلة الأخيرة من عقد التدبير المفوض المبرم مع الشركة الحالية، موضحا أن هذا العقد انتهى قانونيا خلال شهر شتنبر من السنة الماضية، غير أن المجلس الإقليمي اضطر، بتنسيق مع السلطات المختصة، إلى تمديده بشكل استثنائي عبر مراسلة رسمية، بهدف ضمان استمرارية المرفق العام إلى حين تنزيل النموذج الجديد الذي اعتمدته الدولة لتدبير النقل العمومي بين الجماعات.
وأوضح كمال أن التمديد لم يكن عقدا جديدا، وإنما مرحلة انتقالية لتفادي توقف الخدمة، مضيفا أن الشركة توجد حاليا في الأشهر الأخيرة من هذه الفترة، إذ لم يتبق سوى نحو ثلاثة أشهر قبل انتهاء العلاقة التعاقدية بشكل نهائي خلال شهر نونبر المقبل، مؤكدا أن الشركة تبقى ملزمة باحترام جميع التزاماتها التعاقدية إلى غاية نهاية العقد، قائلا: “إما أن تستمر في تقديم الخدمة وفق التزاماتها أو تتحمل مسؤولية الإخلال بالعقد.”
وأكد رئيس المجلس الإقليمي أن مشروع إصلاح النقل الذي أطلقته الدولة غير طريقة تدبير هذا المرفق، بعدما أصبح النقل الحضري وما بين الجماعات يدخل ضمن اختصاص “مؤسسة التعاون بين الجماعات”، وهي مؤسسة أحدثت بقرار من وزير الداخلية وتضم في عضويتها ممثلي الجماعات الترابية بالإقليم، وذلك في إطار إصلاح وطني يروم توحيد تدبير قطاع النقل وتحسين خدماته.
وأضاف أن المجلس الإقليمي، بمجرد اقتراب انتهاء العقد، بادر إلى إشعار مؤسسة التعاون قصد تسلم ملف التدبير المفوض، غير أن المؤسسة لم تكن قد اتخذت بعد القرار النهائي بشأن مباشرة اختصاصاتها، في انتظار استكمال التنسيق مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية بخصوص الرؤية الجديدة لتدبير القطاع، وهو ما فرض استمرار العمل بالعقد الحالي خلال هذه المرحلة الانتقالية.
وأشار كمال إلى أن الدولة شرعت في توزيع حصص من الحافلات الجديدة على مختلف الأقاليم، موضحا أن إقليم الفقيه بن صالح ينتظر وصول أسطول جديد خلال مدة تتراوح بين عشرين يوما وشهر، وذلك لتأمين المرحلة الانتقالية إلى حين استكمال إجراءات التعاقد مع شركة جديدة ستتولى تدبير القطاع، مضيفا أن المواطنين سيستفيدون مستقبل من خدمة نقل في “حلة جديدة” تحت إشراف مؤسسة التعاون.
وبخصوص توقف الحافلات، أوضح رئيس المجلس أن المجلس الإقليمي انتدب مفوضا قضائيا لإجراء معاينة ميدانية، حيث أثبتت المعاينة أن الشركة لا تشغل سوى ثلاث حافلات فقط بالإقليم، رغم التزاماتها التعاقدية، وهو ما اعتبره إخلالا واضحا ببنود عقد التدبير المفوض.
وأضاف أن المجلس، بناء على هذه المعاينة، وجه إنذارا رسميا إلى الشركة يدعوها إلى إعادة تشغيل العدد المتفق عليه من الحافلات، مؤكدا أن المجلس يطبق جميع المساطر القانونية المنصوص عليها في العقد، بما في ذلك توجيه الإنذارات وتفعيل الغرامات المالية المرتبطة بعدم تنفيذ البرنامج الاستثماري أو الإخلال بدفتر التحملات، مشيرا إلى أن هذه الغرامات يتم فرضها فعليا كلما ثبت عدم احترام الالتزامات.
وفي معرض رده على ما تروج له الشركة بشأن وجود مستحقات مالية لفائدتها، نفى صلاح الدين كمال بشكل قاطع وجود أي ديون بذمة المجلس الإقليمي تبلغ قيمتها 200 مليون سنتيم، مؤكدا أن المجلس لا يقدم أي دعم مالي للشركة، وأن العلاقة المالية بين الطرفين تسير في الاتجاه المعاكس، إذ إن الشركة هي الملزمة، بموجب عقد التدبير المفوض، بأداء مبلغ سنوي يقدر بـ11 مليون سنتيم لفائدة المجلس الإقليمي.
وأوضح أن الشركة تشتغل باعتبارها شركة خاصة تعتمد في مداخيلها على ما يؤديه المواطنون مقابل التذاكر، ولا تتوفر على أي مستحقات مالية لدى المجلس، معتبرا أن تبرير توقف الخدمة بادعاءات تتعلق بوجود ديون لا يستند إلى أي أساس قانوني أو مالي.
وأكد رئيس المجلس أن الأزمة الحالية لا علاقة لها بمشروع الحافلات الجديدة الذي تشرف عليه الدولة، وإنما ترتبط بعدم قدرة الشركة الحالية على الوفاء بالتزاماتها خلال المرحلة الأخيرة من العقد، مضيفاً أن المجلس يواصل اتخاذ جميع الإجراءات القانونية الكفيلة بحماية المرفق العام وضمان استمرارية الخدمة إلى حين دخول النموذج الجديد حيز التنفيذ.
كما شدد على أن الأسطول الحالي أصبح متقادماً، ولم يعد قادراً على الاستمرار لسنوات إضافية، وهو ما جعل التمديد الذي منح للشركة إجراء استثنائيا فرضته ضرورات استمرارية المرفق، إلى حين تعويضه بأسطول جديد يستجيب للمعايير المطلوبة.
ويرى متابعون أن الأزمة التي يعيشها إقليم الفقيه بن صالح لا تقتصر على توقف الشركة عن تشغيل أغلب حافلاتها، بل تعكس أيضا صعوبة المرحلة الانتقالية بين نظام التدبير المفوض القديم والنموذج الجديد الذي تقوده الدولة عبر “مؤسسة التعاون بين الجماعات”. ويؤكد هؤلاء أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بتسريع وصول الحافلات الجديدة، واستكمال نقل الاختصاصات إلى المؤسسة الجديدة، واختيار شركة تتوفر على الإمكانيات التقنية والمالية الكفيلة بضمان خدمة منتظمة ومحترمة لدفتر التحملات، بما ينهي سنوات من معاناة الساكنة مع مرفق ظل محل انتقادات متكررة، ويعيد الثقة في خدمة عمومية تمس الحياة اليومية لآلاف المواطنين.





