بنزاكور لـ”إعلام تيفي”: اللحمة الاجتماعية في رمضان تتراجع أمام ضغوط وسائل التواصل

أميمة حدري

في كل عام، يطل شهر رمضان الكريم على المغاربة محملا بروحانياته المميزة وأجوائه التي تجمع بين الطقوس الدينية والاحتفالات العائلية، ليكون موعدا تتجدد فيه الفرحة، التي يفترض أن تتجسد في البساطة والعطاء والإحسان، إلا أنها تتخذ أحيانا أشكالا بعيدة عن معانيها الروحية، إذ يحرص الكثيرون على تجهيز الموائد بكل ما لذ وطاب من مأكولات ومشروبات، في أسلوب يصل إلى حد المبالغة، ويغلب عليه الاستعراض والتفاخر.

هذه الاستعدادات المكثفة، تكشف جانبا من التناقض بين المبادئ الروحية للشهر الفضيل وبين الممارسات الاستهلاكية اليومية، حيث تتحول بعض المأكولات إلى فائض لا يستهلك، وبعضها الآخر ينتهي في صناديق القمامة.

مائدة رمضانية تعكس الانتماء الاجتماعي

محسن بنزاكور، الأخصائي في علم النفس الاجتماعي، أوضح أن ما يعرف في الدارجة بـ”اللهفة” هو الميل الملح لدى الإنسان نحو شراء ما يراه أمامه، خصوصا المأكولات، وهو شعور يتضاعف خلال الصيام نتيجة النقص الطبيعي في الفيتامينات والمواد الحيوية بالجسم، ما يولد إحساسا بالجوع يدفع الإنسان إلى اقتناء الطعام.

وفي حديثه عن الأسباب وراء ظاهرة “اللهفة”، أوضح بنزاكور في تصريح لـ “إعلام تيفي”  أن المغاربة يواجهون ضغوطا متعددة أثناء الصيام، منها ضغوط اجتماعية واقتصادية، أبرزها الإشهارات والأسواق الممتلئة بالمنتجات خلال أوقات الذروة، والرغبة في تقديم مائدة إفطار عامرة لتعكس الانتماء الاجتماعي والمكانة ضمن المجتمع، وهو ما يجعل الإنسان يسعى لأن تكون مائدته مثل الآخرين، بما يعزز شعوره بالاندماج وعدم التقصير أمام المحيط الاجتماعي.

وأضاف أن مستوى التمثيل الاجتماعي والتراتبية في المجتمع يعزز هذه الضغوط، وهو ما يفسر ميل البعض إلى اللهفة رغم وعيهم بالدين والصيام. مشيرا إلى أن الجيل الجديد يواجه إضافة نوعية تمثلت في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي أبرزت ظاهرة التباهي، إذ أصبح تصوير المائدة الرمضانية أو مشاركة لحظات الإفطار في الشواطئ، وسيلة لإظهار المكانة الاجتماعية، بحيث تحولت الصورة إلى الأصل، بينما كان الأصل سابقا هو اللحمة الاجتماعية، وصلة الرحم، وتعزيز العلاقات بين الأصدقاء، أي أن المائدة كانت وسيلة للتلاحم الاجتماعي وليست غاية بحد ذاتها.

وشدد أستاذ علم النفس الاجتماعي في معرض تصريحه على أن هذا التحول أثر على المعنى الحقيقي للإفطار، حيث تحولت اللحمة الاجتماعية والتماسك الاجتماعي إلى التباهي وحب الظهور واللهفة، وهو ما انعكس على سلوكيات الشباب بشكل واضح، إذ أصبحت حياتهم تدور حول الأكل والمظاهر، وفق ما تبرز الفيديوهات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تركز على الطبخ والشهوات الغذائية، ما يحول رمضان من مناسبة للتقارب الاجتماعي إلى عرض للصورة والمظاهر.

الفردانية والأنانية مقابل الروحانيات والعقيدة

من جهة ثانية، أشار بنزاكور إلى في تصريح لـ “إعلام تيفي” بيانات المندوبية السامية للتخطيط التي أثبتت تراجع نسبة التدين بين الشباب المغربي، مؤكدا أن هذا لا يعني تناقضا بل تغييرا في منظومة القيم، حيث أصبحت الفردانية والأنانية أكثر حضورا في ذهن الشباب مقارنة بالروحانيات والعقيدة، كما أن تأثير الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي على المعتقد المغربي أصبح واضحا، إذ تغير مفهوم الصيام وأصبح التركيز على الظهور الاجتماعي أكثر من التركيز على البعد الديني.

وأوضح بنزاكور أن الأسباب قد تعود إلى أن الكثير من الشباب لم يقرؤوا الكثير عن دينهم، وأن غالبيتهم اكتسبوه عن طريق العادة أو الانتقال من الأسرة، ولم يعد هناك متسع للفحص والتبني الواعي لهذه القيم، بينما أصبح “الخبز اليومي” للشباب هو وسائل التواصل الاجتماعي، التي تغذي الأنانية والتباهي وحب الظهور أكثر من بناء الشخصية الإسلامية والدينية والروحانية، وهو ما يؤدي إلى ظهور سلوكيات تبدو متناقضة لكنها في الواقع تعكس تراجعا في التدين.

وأضاف الأستاذ الجامعي أن من الناحية الاقتصادية، يشير ارتفاع الاستهلاك خلال رمضان إلى أن الحكومة تضطر لتغذية السوق وطمأنة المجتمع بأن التمويلات كافية، إلا أن هذا الارتفاع المهول في الاستهلاك يعكس ميل المجتمع نحو تلبية شهوات البطن، وهو مؤشر على التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المغرب خلال رمضان، حيث أصبح التركيز على الصورة والمظاهر أكثر من التركيز على المعاني الدينية والتلاحم الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى