استمارة بحثية حول الهجرة تثير جدلا داخل الأوساط التعليمية.. وبلمودن يكشف تفاصيلها

أميمة حدري 

في سقطة جديدة لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، تم توزيع استمارة على تلاميذ بإحدى المؤسسات التعليمية في إطار ما اعتبر بحثا علميا، غير أن مضامينها أثارت استغرابا واسعا، بعدما تضمنت أسئلة تبتعد عن المنطق وتقترب من الغرابة، وتطرح علامات استفهام حول مدى ملاءمتها للسياق التربوي وحدود المعقول في توجيه مثل هذه الاستمارات.

وخلال إحدى حلقات برنامجه على منصات “إعلام تيفي“، تطرق الصحافي أشرف بلمودن إلى هذه الواقعة، حيث عرض نسخا من الاستمارة التي توصل بها من طرف أحد أولياء أمور تلميذ يدرس بالسنة الأولى إعدادي.

وأوضح أن هذه الاستمارة تتضمن مجموعة من الأسئلة التي تتمحور بشكل مباشر حول موضوع الهجرة، من بينها أسئلة تتعلق برغبة التلميذ في مغادرة البلاد، ومدى تفكيره في الهجرة بشكل عام، إضافة إلى أسئلة أخرى تتطرق إلى إمكانية الإقدام على الهجرة بطرق غير نظامية، وهي مضامين اعتبرها متتبعون مثيرة للجدل، بالنظر إلى حساسية الموضوع وتأثيره المحتمل على إدراك التلميذ في هذه المرحلة العمرية.

وتظهر، بحسب المعطيات التي تم عرضها بلمودن في الحلقة، أسئلة أخرى ذات طابع اجتماعي واقتصادي ترتبط بالأسرة، من قبيل تحديد مستوى دخل ولي الأمر ضمن فئات مالية محددة، وكذا مستوى تعليم الوالدين، وهي معطيات تصنف عادة ضمن البيانات الشخصية الحساسة التي تخضع في البحث العلمي لضوابط دقيقة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفئة القاصرين داخل المؤسسات التعليمية.

وقد اعتبر عدد من المتتبعين أن إدراج مثل هذه الأسئلة بهذه الصيغة المباشرة يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بمدى احترام الخصوصية، وحدود جمع المعطيات الشخصية في سياق تربوي يفترض أن يراعي البعد النفسي والاجتماعي للتلاميذ.

وخلال نفس الحلقة، استنكر الزميل أشرف بلمودن مضمون هذه الأسئلة، معتبرا أن طريقة صياغتها وطبيعة محاورها لا تعكس، حسب تعبيره، “توجها علميا واضحا بقدر ما تثير تساؤلات حول الخلفية التي أعدت وفقها، ومدى ملاءمتها للوسط المدرسي”.

وأضاف أن الأولوية، في نظره، “كان ينبغي أن توجه نحو أسئلة ترتبط مباشرة بتقييم وضعية التعليم، مثل ظروف التمدرس داخل الأقسام، والاكتظاظ، وجودة التعلمات، ومدى شعور التلاميذ بالأمان داخل المؤسسات التعليمية، بدل التركيز على موضوع الهجرة وفي هذا السن المبكر”.

وعرض بلمودن خلال الحلقة تسجيل صوتي منسوب إلى شقيقة أحد التلاميذ الذين وزعت عليهم الاستمارة، حيث عبرت عن استغرابها من طبيعة الأسئلة الواردة فيها، معتبرة أنها “صيغت بطريقة قد تشعر التلميذ بأنه موضوع تحت الاستجواب أكثر من كونه مشاركا في بحث علمي”.

وأشارت إلى أن بعض التلاميذ قد يتأثرون نفسيا بهذه الأسئلة، خاصة تلك التي تطرح بشكل مباشر قضايا مرتبطة بالهجرة أو الوضعية المادية للأسرة، مضيفة أن بعض الأطفال الذين لم تكن لديهم أي أفكار سابقة حول الهجرة أصبح لديهم، بحسب قولها، “اهتمام أو تفكير في الموضوع بعد الاطلاع على مضمون الاستمارة”، وهو ما اعتبرته ” مؤشرا على تأثير غير مقصود على وعي التلميذ”.

الاستمارة التي تم توزيعها داخل مؤسسات عمومية لميُذكر فيها بشكل واضح مصدرها أو الجهة العلمية أو المؤسساتية التي تقف وراء إعدادها، وهو ما زاد من حدة التساؤلات المطروحة حول طبيعتها، ومدى ارتباطها ببحث علمي مؤطر وموافق عليه من الجهات المختصة، أو ما إذا كانت مبادرة فردية أو غير مؤطرة ضمن إطار رسمي.

ويعد غياب هذه المعطيات الأساسية، نقطة خلل جوهرية في أي عمل بحثي يفترض أن يقوم على الشفافية المنهجية وتحديد المسؤوليات العلمية والمؤسساتية.

وفي ظل هذا الجدل، برزت انتقادات واسعة لطريقة إدماج مواضيع حساسة داخل بحث علمي، خاصة عندما يتعلق الأمر بفئة عمرية في مرحلة الإعدادي، حيث يفترض أن يتم التعامل مع المعطيات النفسية والاجتماعية للتلاميذ بحذر شديد، تفاديا لأي تأثير مباشر أو غير مباشر على تصوراتهم وسلوكهم.

كما أعاد هذا النقاش طرح سؤال أوسع حول جودة الدراسات الميدانية داخل المؤسسات التعليمية، وضرورة إخضاعها لمعايير دقيقة تضمن احترام الخصوصية، وتوازن بين أهداف البحث العلمي ومتطلبات الحماية النفسية للتلاميذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى