
أميمة حدري
يتجه التعاون المغربي الفرنسي إلى دخول مرحلة جديدة عنوانها الشراكة الاستراتيجية الشاملة، في ظل سياق دولي وإقليمي يتسم بتحولات جيوسياسية وجيواقتصادية متسارعة، وذلك عقب انعقاد الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين حكومتي البلدين، التي شكلت محطة جديدة في مسار إعادة بناء العلاقات الثنائية بعد تجاوز فترة الفتور الدبلوماسي التي طبعت السنوات الماضية.
واعتبر المحلل السياسي سعيد بركنان أن الاجتماع رفيع المستوى بين المغرب وفرنسا ينعقد في ظرفية دولية وإقليمية خاصة، تتسم بتحولات جيوسياسية وجيواقتصادية متسارعة، مشيراً إلى أن هذه المحطة تندرج ضمن مسار بناء شراكة استراتيجية جديدة بين البلدين، بعد طي صفحة الأزمة الدبلوماسية التي طبعت العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية.
وأوضح بركنان، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن الاجتماع يكتسي أهمية خاصة لكونه يأتي في سياق التحضير لزيارة الدولة المرتقبة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا، والتي يرتقب أن تشكل مناسبة لإطلاق مرحلة جديدة من التعاون الثنائي تقوم على تنزيل اتفاقية استراتيجية طويلة المدى تشمل مختلف مجالات الشراكة.
وأضاف أن التنسيق بين الرباط وباريس لم يعد يقتصر على البعد الدبلوماسي، بل أصبح، وفق تقديره، ضرورة سياسية وجيوسياسية وجيواقتصادية تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، لاسيما في ظل حالة عدم اليقين التي تطبع العلاقات الدولية، وما تفرضه النزاعات الإقليمية والدولية من تحديات على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي، إلى جانب التحولات السياسية التي تعرفها منطقة الساحل وجنوب الصحراء.
وأشار المتحدث إلى أن تركيبة الوفدين المشاركين في الاجتماع تعكس طبيعة المرحلة الجديدة التي تتطلع إليها الرباط وباريس، مبرزاً أن التمثيل شمل قطاعات استراتيجية من قبيل الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم، إلى جانب وزارات الداخلية والدفاع والخارجية، بما يعكس توجها نحو بناء شراكة شاملة تتجاوز التعاون التقليدي إلى تنسيق مؤسساتي في ملفات ذات طابع استراتيجي.
كما سجل بركنان أن هذا الحضور القطاعي الواسع يهدف إلى وضع الإطار العملي لتفعيل الشراكة الثنائية خلال المرحلة المقبلة، من خلال تحديد أولويات التعاون ورسم الخطوط العريضة للمشاريع المشتركة بما يضمن تنزيل الاتفاقيات المبرمة على أرض الواقع.
وفي قراءته لانعكاسات هذا التقارب، اعتبر المحلل السياسي أن الشراكة المغربية الفرنسية مرشحة لإعادة رسم موازين القوى في غرب البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، عبر تعزيز محور الرباط-باريس باعتباره محورا للاستقرار، بما يمنح المغرب عمقا استراتيجيا داخل الاتحاد الأوروبي ويعزز موقعه كشريك إقليمي في القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية.
هذا، رأى بركنان أن فرنسا ستستفيد من هذه الشراكة في إعادة تموقعها داخل القارة الإفريقية عبر المغرب، خاصة بعد تراجع حضورها في عدد من دول الساحل التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية ودبلوماسية أثرت على علاقاتها مع باريس.
وأضاف المصدر ذاته أن المغرب يوفر، وفق تصوره، نموذجا للشراكة يقوم على مبدأ “رابح-رابح”، وهو النهج الذي تعتمده المملكة في علاقاتها مع شركائها الدوليين، معتبرا أن هذا النموذج قد يشكل مدخلا لإعادة بناء الحضور الفرنسي في إفريقيا على أسس جديدة تقوم على المصالح المشتركة.
وخلص بركنان في ختام تصريحه إلى أن التقارب المغربي الفرنسي يتجاوز، في تقديره، إطار تطوير العلاقات الثنائية، ليشكل تحولا استراتيجيا من شأنه الإسهام في إعادة التوازن إلى موازين القوى في منطقة الساحل وغرب البحر الأبيض المتوسط، في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإقليمي والدولي.





