حين يتحول الوقود إلى ريع ويبقى المواطن تحت رحمة السياسات الفاشلة

بشرى عطوشي 

تحليل_ في وقت كان فيه الهدوء النسبي الذي عرفته أسواق الطاقة الدولية، على وقع تراجع التوترات في الشرق الأوسط، يوحي بإمكانية استقرار الأسعار المحلية، فاجأت محطات التوزيع المغاربة بزيادة جديدة صباح الخميس 16 يوليوز 2026: 65 إلى 70 سنتيماً على لتر الغازوال، ليصل ثمن البيع إلى حدود 13.20 درهماً. المفارقة أن هذه الزيادة جاءت بعد أقل من أسبوعين فقط على تخفيض دخل حيز التنفيذ في فاتح يوليوز، بلغ 96 سنتيماً للغازوال.

هذا التذبذب السريع، صعود بلا تردد وهبوط بتثاقل ملحوظ، ليس عطباً عابراً في آلية السوق، بل هو النمط المتكرر الذي يعيشه المغاربة منذ سنوات: التوقيت الموحد للزيادات بين مختلف العلامات التجارية، والفارق الزمني الملحوظ حين يتعلق الأمر بتنزيل الأسعار. وهو نمط سبق أن استوقف مجلس المنافسة نفسه في قضايا سابقة تتعلق بالممارسات المخلة بحرية المنافسة في القطاع.

من “تحرير الأسعار” إلى ريع مستدام

القرار الذي غيّر قواعد اللعبة اتُّخذ سنة 2015، حين حررت حكومة عبد الإله بنكيران أسعار المحروقات، متزامناً مع دخول مصفاة المحمدية “سامير” في أزمتها النهائية التي أفضت إلى توقفها الكامل عن التكرير.

الحجة الرسمية كانت آنذاك إنقاذ صندوق المقاصة من عبء الدعم. لكن عشر سنوات بعد القرار، الصورة التي تتشكل أمام المواطن مختلفة تماماً: صندوق المقاصة “أُنقذ”، لكن المدرسة العمومية والمستشفى العمومي لم يتحسنا، بينما القدرة الشرائية للمغاربة تآكلت بشكل متواصل، وأرباح الفاعلين في قطاع التوزيع، بحسب تقديرات نقابية متداولة، تجاوزت الهوامش التي كانت محددة قبل التحرير بعشرات المليارات من الدراهم.

والأخطر من ذلك أن القرار لم يُتخذ في فراغ من تضارب المصالح: فالحزب الذي كان شريكاً في تلك الحكومة، وأصبح لاحقاً يقود الحكومة بين 2021 و2026، يملك زعيمه شخصياً واحدة من أكبر شبكات توزيع المحروقات في البلاد. هذا ليس افتراضاً، بل معطى تكرر توثيقه في تقارير صحفية وتدخلات برلمانية عديدة تتحدث صراحة عن “تضارب مصالح” في قطاع يُفترض أن يُدار بمنطق المرفق العام لا بمنطق الريع الخاص.

سقوط “لاسامير” بصمت مريب

الاختبار الحقيقي لجدية أي قوة سياسية في مواجهة هذا الملف كان أمامها مباشرة: مقترح قانون لتنظيم أسعار المحروقات، ومقترح آخر لتفويت أصول “سامير” لفائدة الدولة في إطار مقاصة الدين. كلاهما سقط في مجلس المستشارين، دون أن يصل حتى إلى نهاية مساره التشريعي بمجلس النواب. لم يكن الأمر خلافاً تقنياً حول الصياغة، بل كان اختباراً سياسياً واضحاً: هل تريد الطبقة السياسية استرجاع السيادة على قرار استراتيجي كالمحروقات، أم تفضّل ترك السوق بيد فاعلين قلائل يتقاسمون النفوذ الاقتصادي والسياسي في آن واحد؟ الجواب كان صمتاً تشريعياً مريباً، لا معارضة صريحة توثق أسبابها، ولا نقاش عمومي حقيقي يُطلع المواطن على من صوّت ولماذا.

هنا بالضبط يكمن جوهر الانتقاد: حين تتوحد مصالح فاعلين اقتصاديين مع مواقع القرار السياسي، وحين تتحول المعارضة إلى معارضة شكلية لا تُترجم إلى مساءلة فعلية أو تصويت حاسم، فإن الحدود بين “التعدد الحزبي” و”الريع المُدار بتوافق” تصبح رفيعة جداً.

الانتخابات القادمة: هروب مبرمج من الملفات الحارقة

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يلاحظ المتتبع غياباً شبه تام لهذا الملف عن البرامج الانتخابية المُعلنة. لا حديث جدياً عن سقف لأسعار المحروقات، ولا التزام واضح بإحياء التكرير الوطني، ولا مراجعة جذرية للضريبة على المحروقات. وكأن الأحزاب، على اختلاف يافطاتها، اتفقت ضمنياً على ترك هذا الملف خارج دائرة التنافس الانتخابي، تماماً كما اتفقت، من الناحية العملية، على عدم إحياء مقترحي القانون في مجلس المستشارين.

هذا التجنب المتكرر لملف يمس يومياً جيب كل مواطن مغربي، من سائق سيارة الأجرة إلى الفلاح إلى الأسرة التي تدفع فاتورة النقل المدرسي، هو في حد ذاته رسالة سياسية: حين يغيب ملف بهذا الحجم عن النقاش الانتخابي، فذلك عادة لأن أحداً من الفاعلين الكبار لا يريد فتحه.

الزيادة الأخيرة ليست حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة تكشف عن منظومة تُدار لصالح قلة من الفاعلين، بينما يُترك المواطن الضعيف يتحمل كلفة كل ارتفاع فوري، وينتظر بلا جدوى أي انخفاض متكافئ في السرعة والحجم. وما دام تحرير الأسعار، وتعطيل التكرير الوطني، وإسقاط المقترحات التشريعية، وغياب الملف عن البرامج الانتخابية، تلتقي كلها عند نفس النقطة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على كل مغربي قبل صندوق الاقتراع القادم هو: من يمثل فعلاً مصلحته، ومن يدافع عن الريع؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى